تقرير حالة التنوير بالمغرب 2018

على سبيل البدء:

لقد كانت التقارير التي تصدر كل سنة عن الحالة الدينية بالمغرب،[1] ترصد أبرز المعالم التدينية السائدة في المجال التداولي المغربي بتتبع أبرز التوجهات الدينية للمغاربة ما بين الأمس واليوم (من فترة الاستقلال إلى اليوم). وذلك لن يتم بمعزل عن النظر في التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي شهدها المغرب وآثر تلك التحولات على تدين المغاربة، فكان من المفترض أن تركز هذه التقارير الاستراتيجية على معالم الخريطة الدينية في الساحة المغربية: مؤسسة إمارة المؤمنين، المؤسسات الدينية، الطرائق الصوفية، التيارات السلفية، الحركات الإسلامية، والاشتغال كذلك على ما كان يصطلح عليه ” تدين الهامش” (يشمل التشيع والتنصير والتبشير….).

نجد مجمل هذه التقارير صادرة إما عن مراكز أبحاث مستقلة أو مراكز بحثية تابعة للمؤسسة الدينية الرسمية، وتقف عند توجهات كبيرة، تتجلى في استمرار تصاعد مؤشرات التدين بالمغرب، وتواصل المبادرات المؤسساتية في مجال الشأن الديني، بالإضافة إلى سعي الفاعلين في المجال الديني إلى التكيف مع التحولات التي يعرف المجتمع عموما والحقل الديني خصوصا. كل ذلك في ظل استمرار بروز مجموعة من التحديات في المشهد العام من قبيل بروز التحدي الطائفي وتحدي الإرهاب والتطرف وغيرها.

وتأتي هذه الورقة التقريرية، لا لرصد الحالة الدينية بالمغرب أو الإحاطة بمجملها، وإنما هي محاولة للوقوف عند تجليات التنوير الديني في التجربة المغربية من خلال رصد أهم المحطات التجديدية وإسهامات بعض الرواد والمؤسسات وكذلك المعيقات التي حالت دون إرساء دعائم هذا الفكر بالشكل المطلوب.

فالحديث عن إصلاح ديني أو ثورة دينية ينم عن وجود موروث ديني معوق، يحول دون انطلاق الإنسان نحو آفاق رحبة. وهو ما يمكن الوقوف على مدى حضوره في فكر الإنسان المغربي رجل دين كان أو عالما أو فيلسوفا، فالرهان على الإنسان كمحور في مقاربات التنوير الديني ومحور النقد ودوره في بلورة قراءة جديدة للدين تتوافق مع العصر وقيمه. ولن يكون ذلك إلا كما جاء في مقالة كانط الشهيرة ما التنوير؟ في قوله “التنوير هو تحرر الفرد من الوصاية، حيث عدم قدرته على استخدام فهمه الخاص دون توجيه الآخر. ليس القصور العقلي سببا في جلب الوصاية، بل السبب انعدام الإقدام والشجاعة على استخدامه دون توجيه من الآخر. تشجع لتعلم، فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص” هذا هو شعار التنوير. أي بمعنى خروج الإنسان من حال إلى حال. فأما الحال الأول فهو حال الوصاية، بمعنى لا تفكر يا هذا، نحن نفكر بدلا عنك، السياسي يفكر بالبدل عنك، الفقيه يفكر بالبدل عنك، والخبير يفكر بدلا عنك.. لا تفكر يا هذا وعش حال القصور. أما الحال الثاني فهو حال الشجاعة في استعمال العقل.

وتبقى الإجابة عن هذا السؤال من داخل الحقل الديني المغربي هدفا ومطمحا لهذا التقرير لاختبار مقولة المفكر المغربي عبد الله العروي عن كون فلسفة التنوير”تمثل نسقا فكريا يحاكم نظاما معينا أينما وجد وتصرفا معينا أينما شوهد”. [2]

  1. الإصلاح الديني رافد من روافد التنوير بالمغرب:
  2. البدايات الأولى:

لم يكن الإصلاح الديني بالمغرب في فترة من الفترات، وبالضبط في القرن 19 منصبا على حركة إصلاحية دينية كما عرفتها المنطقة العربية، بل كان رد فعل فجائي عند اكتشاف تقدم الآخر، فكانت محاولات الإصلاح فردية قادها سلاطين وبعض رجالات النخبة المخزنية في مجتمع لم يكن مؤهلا لقراءة جديدة للدين، فكانت أفكار الإصلاح الديني مرفوضة اجتماعيا ويمكن إجمال التجربة الإصلاحية المغربية خلال هذه الفترة في مرحلتين:[3]

المرحلة الأولى (1830 – 1860) مع السلطان عبد الرحمن العلوي، وتميزت بالدعوة إلى تقوية الجانب العسكري، واعتباره جوهر كل إصلاح، وكان شعار المصلحين هو الجهاد لمواجهة المد الأوربي.

المرحلة الثانية (1860 – 1890) مع كل من محمد الرابع والحسن الأول وتميزت بتقوية التجارة البحرية والجيش، كما ركزت مبادراتهم الإصلاحية على المجال التعليمي بإدخال تدريس بعض العلوم من رياضيات وفلك وهندسة بفاس وطنجة ومراكش ومكناس، وإحداث مؤسسات تعليمية حديثة كمدرسة المهندسين بفاس ومدرسة الألسن بطنجة.

ورغم ما عرفته المرحلة من إرسال بعض البعثات الطلابية إلى الخارج بهدف الاحتكاك بين المدنية الأوربية التي أفرزتها عومل شتى كالنهضة الأوربية وعصر الأنوار والثورة الصناعية، والحالة الحضارية التقليدية المتوارثة بالمغرب في قرن كانت فيه البلاد مغلقة في وجه التيارات الفكرية والحضارية الخارجية، ويعيش في عزلة تامة فرضها على نفسه، تحت ضغط عدة عوامل في مقدمتها حرصه على المحافظة على استقلاله. إلا أن المغرب لم يستفد من هاته البعثات بسبب معارضة النخبة التقليدية لهاته النخبة الجديدة. فبقيت بذلك تجربة المغرب الإصلاحية محدودة من حيث نتائجها مقارنة بالتجربتين المصرية والتونسية وبتجارب عالمية كالتجربة اليابانية فأضاع المغرب فرصة كانت ستسهم في دخوله عالم الحداثة مبكرا.

وكان بذلك لغياب الإصلاح الديني دور في عرقلة الإصلاحات التي لم يمهد لقبولها مجتمعيا، كما أن البنية الفقهية بكل مكوناتها من زوايا وعلماء وسلطة رسمية، ساهمت في بقاء الوضع على ما هو عليه، حيث كانت هذه البنية تتأرجح اتجاه التحديث بين ثنائيات القبول/ الرفض، والانغلاق/ الانفتاح، والقطيعة/ التقارب، والنقل/ العقل، والتقيد/ التحرر، والتقليد/ التجديد، والقوة الروحية/ القوة المادية. [4]

 

  1. لحظة الانبهار والصدمة الحضارية:

شكل لقاء الآخر في العالم العربي ومنه المغرب واكتشاف تفوقه، مهمازا وحافزا للوعي العربي الإسلامي على الاستفسار والتساؤل واليقظة. وبالتالي ضرورة البحث عن البدائل والإجابات، لتجديد مؤسسات الدولة في محاولة لدخول العصر الحديث، والخروج من حالتي التأخر والضعف. وتبلورت هاته الإجابات في شكل محاولات إصلاحية دينية، انطلقت من الأستانة لتصل رياحها إلى مصر وتونس والمغرب.

وقد قسم دعاة الإصلاح الديني إلى قسمين، فمنهم صاحب الموقف التقليدي والمحافظ الأصيل، المعادي للانفتاح على أوروبا والرافض لاستلهام حداثتها. ويرى أنه لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها. أما الاتجاه الثاني فهو ليبرالي يرى أن الإصلاح يستلزم اقتباس النظم الأوربية واستلهامها وضرورة التعلم من مدارسها.

لذلك جاءت فكرة الإصلاح الديني خلال القرن التاسع العاشر كرد فعل على هذه الصدمة التي خلفها اكتشاف تفوق الآخر وتأخرنا، وهذا الظهور هو في جوهره بحث عن كيفية إيجاد السبل لغرس قيم الحداثة في مجتمع يعتنق الإسلام ويعد النص الديني أساس الحياة في مختلف المجالات وامتحان لمدى قابليته للتحديث ومدى توافقه مع قيم ومنجزات الحداثة لتظهر بذلك دعوات الإصلاح الديني على يد مصلحين أمثال محمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي وابن باديس والطاهر بن عاشور والحجوي وغيره كثير.[5]

  1. أثر تجربة الإصلاح في المنطقة وحدث الاستعمار الغربي:

مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بدأت في المغرب بوادر نهضة جديدة أو على حد تعبير د. الجابري “بدأ فجر آخر للنهضة في المغرب”. فقد تسربت بعض التأثيرات الأنوارية إلى المغرب بواسطة الصحف والكتب التي كانت تنقل أصداء الحركة الإصلاحية النهضوية في مصر خاصة التي قادها الأفغاني وتلميذه محمد عبده، الذي يعتبر واحداً من أهم المصلحين المسلمين الذين واجهوا التخلف، والاستعمار الغربي، والذي ما فتئ يستنهض المسلمين ويحثهم على ضرورة استجماع شروط النهضة ومواجهة التحديات. هو أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي، ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي. فكانت هناك مراسلات بينه وبين علماء المغرب. كما كان لمجلة المنار، لسان حال الإصلاح المشرقي، قراءها في الأوساط الثقافية المغربية. ولعل ما انعكس على المنطقة دينيا هو أن هذا الفكر الديني سيتجدد من الفكر القديمة من الرضا بالواقع وأن الإسلام إسلام دروشة وخنوع وزهد وترك تدبير الشأن السياسي لأهله. فكان ما أسفر عن ظهور حركات تجديدية باتجاهين:

أ) ــ الحركات الثورية مع الحركة المهدية بالسودان والسنوسية بليبيا وقادة ثورة العشرين بالعراق وجماعة التبليغ ونخبة من المفكرين كالشيخ تقي الدين النبهاني وابن باديس وعز الدين القسام وحسن البنا وعبد الكريم الخطابي وهذا الاتجاه من المفكرين ” ارتكز إلى الإسلام عقيدة ومنهجا ونظاما وشريعة واعتمد الأصول الإسلامية أسسا ومعايير في معالجة مختلف جوانب الحياة واتخذ موقفا حازما من حضارة الغرب” [6]

ب) ـ اتجاه يمثله ـ بعد مرحلة العروة الوثقى ــ والكواكبي ورشيد رضا وعلال الفاسي ومالك بن نبي وخير الدين باشا التونسي، وحاول هذا التيار مع تشبثه بالجذور الأصولية ” التوفيق بين عدد من الجوانب الفكرية والحضارية الغربية وحاول الانفتاح عليها أو الالتفاف حولها وإعطائها مرادفات إسلامية”[7]

وما يمكن أن نأخذه ويهمنا مما نتج عن هذه الحركات التي بدأت بما أسس له محمد عبده من سلفية نهضوية إصلاحية مع جمال الدين الأفغاني الذي كان يجوب أقطار الشرق مستنهضا شعوبه وحكامه لمقاومة الاستعمار، خاصة منه الإنجليزي الذي اصطدم به الأفغاني في شبه القارة الهندية. هو فكر وحركة محمد بن عبد الكريم الخطابي في المغرب، كحركة لديها أصول منبنية على هذا الفكر كجهاد (مواجهة المستعمر)، لكن لها مشروع تأسيس دولة وإمارة بفكر وخطاب ديني يحارب الخنوع والبدع وخطاب ديني يجمع ما بين التربية والسياسة، فأسس لنا مجموعة من المؤسسات كالقضاء والاقتصاد…

وقد أدرك رواد هذا الفكر التجديدي بأن محور ومرجعية الحركة النهضوية الإصلاحية هي مرجعية الإسلام قرآنا وسنة من منابعه الصافية غير مثقلة بأوهام وأباطيل من ألحقوها بها كما حصل في أيامنا، وفي الوقت نفسه لم يجدوا مانعا من الانفتاح على الغرب من أجل الاستفادة من تقنياته وتطوره العلمي شرط إخضاع المستورد والوافد لشروطنا الفكرية والثقافية والحضارية، هذا التطويع، لذلك ميزوا بدقة بين الانتفاع وبين الاستتباع، فقالوا نعم للانتفاع ولا للاستتباع.

  1. الطباعة كرافد للنهضة:

مما لا شك فيه أن تطور شعب من الشعوب يقاس، من ضمن ما يقاس به، بمدى إحرازه على تقدم تكنولوجي في عدة ميادين. ولعل صناعة الكتاب وما يرتبط بها من إنتاج فكري وأدبي وتسويق وأرباح مؤشر دال على نماء بلد أو تخلفه عن المسار الحضاري الكوني. ففي الوقت الذي كانت فيه أوربا قد قطعت أشواطا في ميدان الطباعة والنشر منذ اختراع غوتنبرغ في أربعينات القرن الخامس عشر، وأضحى تداول المطبوعات داخل أوسع فئات المجتمع الأوروبية شيئا مألوفا، نلاحظ أن المغرب لم يعرف آلة الطباعة إلا في غضون سنة 1864، وبالضبط حين أقدم فقيه سوسي، وهو محمد بن الطيب الروداني على جلب آلة للطباعة مرفوقا بخبير مصري عرف باسم القباني.

قد يكون هذا التأخر في اقتناء آلات للطباعة وتشغيلها مرتبطا بموقف علماء المغرب المالكي المذهب من المستجدات التقنية الغربية كما أنه قد يفسر بغياب الحاجة الملحة إلى الخدمات التي تقدمها تقنولوجية الطباعة، هذا مع العلم أن الدعوة إلى تبني هذه الأخيرة وردت، وإن بشكل محتشم، عند بعض رجالات المخزن وخاصة عند الوزير إدريس العمراني في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان وفي رحلة الصفار.

ومن الثابت أنه قبل سنة 1964 كانت النساخة كنمط لإنتاج الكتاب، مهنة محتكرة من طرف أفراد ينتمون إلى المخزن والزوايا وبعض الأسر العريقة، وكانت تشكل وسيلة للارتقاء في السلم الاجتماعي والاستئثار بالوظائف المخزنية. وبعض المخطوطات والمنسوخات التي توافرت قبل إدخال آلة الطباعة تبين أن مجمل المواضيع التي تم تداولها آنذاك همت الحديث والفقه والتصوف وأصنافا من علوم الشريعة كما أن النظام التعليمي القائم لم يكن ليختلف، ولو بشكل ضئيل، عن نمط التمدرس الذي ساد في العصر الوسيط المغربي. ويبدو أن “مختصر” الشيخ خليل وما رافقه من حواشي وشروحات ومنظومات شعرية ونصوص صوفية وأوراد شكل العمود الفقري في ثقافة العلماء والطلبة وبعض الحرفيين والتجار.

وما بين سنة 1865 وسنة 1871 أمكن للمغرب إصدار ستة عناوين بمعدل 300 نسخة من كل عنوان. ويبدو أن المخزن تنبه باكرا إلى أهمية هذه الآلة المجلوبة، فلم يتوان عن الاعتناء بتنظيم تسييرها وضبط منتوجاتها. وقد وظف المخزن الإمكانيات التي تتيحها الطباعة في مجال الدعاية. فالسلطان مولاي الحسن، على سبيل المثال، أمر بطبع كتاب “إتحاف السادة المتقين” وتوزيع نسخ منه بالمجان على علماء المسلمين في كل من القاهرة ومكة والمدينة وإسطنبول. وبهدف تقنين وتنظيم الطباعة، أصدر مولاي عبد العزيز ظهيرا لسنة 1897 تضمن، بالأساس، تفعيل الرقابة على المطبوعات الحجرية. ومن جانبه أولى السلطان مولاي عبد الحفيظ عناية فائقة للطباعة تماشيا مع طموحاته الإصلاحية.

 

 

  1. أعلام تنويرية:

لابد لإرساء دعائم أي فكر من أن تتوفر له أسسه ورواده ومعالمه المؤسساتية، وكذلك الامر بالنسبة لظهور التنوير الديني بالمغرب، وما يستلزمه ذلك من إرهاصات وإسهامات أعلام ومتكئات مؤسساتية.

  1. محمد بن لحسن الحجوي الثعالبي؛ الفقيه المصلح:

كان من أعلام المغرب التي قدمت عطاءات علمية قيمة في القرن الرابع عشر الهجري، ومن أول المتزعمين لمشروع الإصلاح في القرويين، وقد نشط في التدريس والمحاضرات والتأليف. وكان يرى أن الاجتهاد الفقهي ممكن وميسر الآن أكثر من أي وقت مضى، وأنه يجب أن تشحذ العزائم باستقلال الفكر وشغله بتدبر كتاب الله وترك التمرن على كلام المتأخرين الجامدين. فكان يرى أن القرآن الكريم لم يكن القصد من إنزاله أن يكون بين أيدي الناس كتابا يتبركون بلفظه يقرؤونه على الموتى فقط، بل القصد أن يعملوا بأحكامه ويتهذبوا بتهذيبه، وتنظم أحوالهم به.

كان محمد بن الحسن الحجوي فقيها ومصلحا سلفيا من القلائل الذين اهتموا بقضية تعليم المرأة كمجدد تنويري، فمجلة المغرب التي كانت تصدر آنذاك، تصف الحجوي بكونه مناصر تحرير المرأة. حيث كتبت في عددها الصادر في غشت 1935: “إن للأستاذ الحجوي أعمالا جلية في ميدان الإصلاح… وهو في مقدمة المفكرين الذين دعوا منذ فرض الحماية بتعليم النساء وتحريرهن من بعض العوائد الضارة بهن وبالمجتمع، وقد سعى في ذلك سعيا محمودا فألقى المحاضرات وكتب المقالات، وانتهز كل فرصة سانحة لبث أفكاره. ولم يثبط عزمه في ذلك ما لاقى أحيانا من معارضة ونقد. ”

  1. علال الفاسي؛ السلفي المتنور(1394 هـ):

يعتبر من علماء المغرب الذين أدركوا حقيقة ما ينتظر المسلمين في هذا العصر، وكان إدراكه أنذاك مبكرا يسمح بتدارك ومراجعة المواقف، فجلس لتطبيق فهمه على النص القرآني، وتجلية الأهداف والمقاصد منه بتفسير القرآن تفسيرا عصريا فاستطاع أن يتبين الأوضاع الإسلامية تبينا سليما ومتزنا، يسمح له بأن يكون في صفوف علماء الفكر الإسلامي المعاصر أمثال الأفغاني وعبده، ورشيد رضا، وإقبال، والنورسي، وابن باديس، وابن عاشور، وغيرهم.

وقد كان ينظر لمستقبل الإسلام في ضرورة العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ومسايرة التطور في أساليب الفهم والتقدير للأشياء، والعناية بالعقل الراجح، البعيد عن المؤثرات المختلفة، والتفكير في دائرة الأصول الإنسانية التي وضحها القرآن ومهدتها تجارب الأمم والشعوب، واعتبار هذه الأسس المقياس الأول والمحك الذي على حكمه المعول، بحيث لا تقبل نظرية من النظريات، إلا إذا أقرها العقل، وصادق عليها الدين.

ولعل المفكر علال الفاسي واحد من هذه النخبة الوطنية المثقفة التي قامت بهذا الدور الريادي في تاريخ المغرب الحديث، وإن كتابه «النقد الذاتي» يقدم الصورة الجلية والواضحة لهذا التوجه الفكري والإصلاحي الذي كان يطمح إليه الوطنيون الأحرار من أجل تحرير البلاد مما ورثته في عهد العبودية والحجر من جهل وأمية وفقر مدقع وتخلف شمل جميع الميادين. لهذا يركز كمفكر نهضوي في أن الأمة إما أن تكون بكامل مقوماتها الروحية والمادية المتوازنة وإما ألا تكون:”وهكذا نهضة الأمة، فإما أن تكون مشتملة على كل مقوماتها هي الأخرى، وإما ألا تكون”[8]. ويرى هذا السلفي المتنور أن هذه النهضة لن تكون إلا بدراسة ذهنية للمجتمع ومعرفة توجهاته ومطامحه، ومدى استجابته وقبوله لما يعرض عليه:”إن الذهنية المغربية يجب أن تدرس، ويجب أن نفكر في وسائل تبديلها، لأنها مادامت على هذه الصفة، فإن كل نهوض شعبي سيظل بطيئا ومشكوكا في صموده إزاء هذه الآفات النفسية الكبرى”[9]

نجد نظرية علال الفاسي التي لا يفهمها الكثير من الناس، وهي ما سماه بأرستقراطية التفكير في المجتمع ولقد آمن بأن النخبة المثقفة المتنورة هي التي تستطيع قيادة الأمة وتوجهها نحو الأصلح، وأن تفكيرها ينبغي أن يعلو فوق كل تفكير مادامت تسعى إلى الإصلاح، لأنها القادرة على توجيه أفكار العامة، وجعلهم يعتبرون المصلحة العليا لأمتهم فوق كل اعتبار. وهذه الأرستقراطية في التفكير لا تتعارض مع أفكار العامة أو تستهين بها، وإنما تستمد منها ما يلهمها للمزيد من العطاء، وتقوم ما فيها من اعوجاج، وتنير وتصلح ما يحتاج إلى الإصلاح، وبذلك تلتقي تجارب وخبرات العامة مع عمق أفكار الخاصة. ومن هنا كان القصد من تقديم ذوي الفكر تجنب المزالق والعثرات التي تكون نتيجة التسرع وارتجال التفكير، فهؤلاء أقدر الناس على النقد والتوجيه نحو الأصلح؛ وبهذا المنهج حققت الأمم المتقدمة تفوقها، إذ تختار أحسن الناس لقيادتها ثم تحاسبهم على ما يصدر منهم: “إن الفكر الصحيح الذي تحتاجه الأمة ويمكن أن ينقذها من مصائبها، ليس هو تفكير الشارع الذي يبنى على أصول عادية نتلقاها كل يوم من مختلف الأوساط والهيئات التي لا ندريها، ولكنه فكر الطبقة المتنورة التي تستطيع أن تقلب الأشياء على وجوهها، وتنفذ إلى أعماقها”[10].
ولذلك دعا علال الفاسي إلى  المذهب العقلي في كل إصلاح، وهو مذهب ينبع من ضرورة حتمية تعززها تعاليم الدين الإسلامي:

“وإن الدين في نظرنا غني بحججه العقلية، وبهدايته القلبية عن أن يحاول الوقوف في صف الذين يضطهدون الفكر أو يحولون دون تنوير العقول”[11]

  1. محمد عابد الجابري؛ النهضوي الناقد:

يعد من كبار مفكري القرن الواحد والعشرين، ينتمي إلى جيل من الباحثين الذين أسهموا في طرح أسئلة كبرى على الذات، على الآخر، على السياسة، على التراث، على العلم، على التربية وعلى التعليم.. إن الجابري هو صاحب أبرز مشروع فكري نهضوي؛ حيث لقيت كتاباته إقبالا منقطع النظير سواء من طرف القارئ المغربي أو القارئ العربي وحتى الغربي.

اهتم الجابري في مشروعه الفكري بتقديم ما اعتبره رؤية أو قراءة جديدة للتراث، منطلقا من مفاهيم الثقافة الغربية الحديثة، ومسقطا مقولاتها على هذا التراث، ولفهم فكر ومشروع الجابري لابد من فهم منطلقاته المعرفية أولا، ذلك أن منهج الجابري في فهم التراث الذي دعا إلى تجاوزه وخلق تراث جديد نصنعه بأيدينا، يمثل الأساس والمنطلق لتفكيك فكره؛ يقول:” ان الحداثة تبدأ باحتواء التراث وامتلاكه، لأن ذلك وحده هو السبيل إلى تدشين سلسلة من القطائع معه إلى تحقيق تجاوز عميق له، إلى تراث جديد نصنعه، تراث جديد فعلا”[12] وهذه القطيعة مع التراث التي دعا إليها الجابري، لا تتضمن الاجتهادات التفسيرية للمقد، بل تتضمن المقدس ذاته، حيث يقول: ” اللغة والشريعة والعقيدة السياسية تلك هي العناصر التي تتكون منها المرجعية التراثية التي قلنا أنه لا سبيل إلى تجديد العقل وتحديثه إلا بالتحرر من سلطانها، وإذا كنا ندعو هاهنا إلى الانتظام في الجوانب التي أبرزناها في فكر ابن حزم وابن رشد والشاطبي وابن خلدون فليس من أجل استنساخ أفكارهم، استنساخا، ولا من أجل تبني آرائهم تقليدا وتبعية، كلا إن ما ندعو إليه هو توظيف نزعتهم العقلانية التقدمية كمنطلق يربطنا بقضايا تراثنا لا من أجل تجديدها أو الاغتراب فيها أو رفضها، بل من أجل نقلها إلى حاضرنا والتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر وحاجة المستقبل وبالاستناد إلى فكر العصر ومنطقه”.[13]

تأتي قراءة الجابري للقرآن الكريم من خلال كتابه ” مدخل إلى القرآن الكريم” الصادر سنة 2006 عن مركز دراسات الوحدة العربية، والذي أفصح في بدايته أنه سيخوض في هذا الاتجاه، حيث أكد أنه سيحرص على إعادة دراسة الأسئلة القديمة التي طرحت حول علوم القرآن في كتب التراث، وما يتولد عنها من تساؤلات أخرى معاصرة، يقول: ” إننا لا نعد القارئ بأكثر من اطلاعه على أجوبة غير قطعية ولا نهائية، عن أسئلة تولدت لدينا من خلال اطلاعنا على الأسئلة التي طرحها كثير من القدماء، حول ما نسميه بـ ” الظاهرة القرآنية”.[14]

وحتى لا يساء فهم الجابري فإنه أكد أكثر من مرة على ضرورة إخراج القرآن الكريم من دائرة التراث، معتبرا أن التراث هو أفهام العلماء المشتغلين عليه؛ يقول: ” لقد أكدنا مرارا أننا لا نعتبر القرآن جزءا من التراث، وهذا شيء نؤكده هنا من جديد، وفي نفس الوقت نؤكد أيضا أننا نعتبر جميع أنواع الفهم التي شيدها علماء المسلمين لأنفسهم حول القرآن، سواء كظاهرة بالمعنى الذي حددناه هنا، أو كأخبار وأوامر ونواه هي كلها تراث، لأنها تنتمي إلى ما هو بشري”.[15]

عمل الجابري على التأسيس لوعي فكري وثقافي جديد يروم خلخلة الجاهز من الأفكار والمسلمات؛ بل ينبغي تخليص الذات العربية والمسلمة بصفة عامة، والذات العربية والمسلمة العارفة بصفة خاص، من مسلمة التسليم بأن هناك مجالا لا ينبغي سؤاله، ولا ينبغي التشكيك فيه؛ لأن سؤاله تشكيك فيه من أجل إعادة البناء على أسس فكرية قوية من زاوية نظره، بعبارة أخرى، إن الجابري لا يسائل المعطيات النصية وما يحيط بها بغرض الهدم، بل يعرضها على ميزان العقل، بمعنى أنه يمررها عبر ميزان الذات من خلاله ملكة التفكير والعقل، فإن وافقت معايير العقل استحقت مشروعيتها، وإلا فلا مكان لها”.

لقد اعتمد الجابري كفكر تنويري منهجا عقلانيا، إذ يصرح في خاتمة كتابه الذي كان مثار جدل كبير ” المدخل إلى القرآن الكريم” أن دراسته هذه تستند بصة كبيرة على العقل، الذي يعد مفتاحا هاما في كشف ضبابية كثير من المسائل كان يحال بينها وبين الدارسين فيما مضى يقول: ” قدمنا فيما نعتقد تعريفا بالقرآن الكريم بددنا فيه كثيرا من الضباب الذي كان وما يزال يحول دون التعامل العقلاني مع هذا النص الديني الذي لم يشد بشيء آخر إشادته بالعقل، وذلك إلى درجة يمكن معها القول إن القرآن يدعو إلى دين العقل”[16]

لا يمكن حسب الجابري تحقيق نهضة فكرية حقيقية بالاعتماد على الماضي وحده. فمن الخطأ الجسيم كذلك الاعتقاد ان هذه الذات يمكن أن تنهض بالتخلي الكلي عن ماضيها والإعراض عنه والانضمام إلى تراث غير تراثها أو الارتماء في حاضر يتقدمها بمسافات شاسعة، فالإنسان لا يمكن أن يبدع إلا داخل ثقافته وتراثه، والإبداع بمعنى التجديد الأصيل لا يقوم إلا على أنقاض قديم تم احتواؤه وتمثله وتجاوزه بأدوات فكرية معاصرة تتجدد بتجدد العلم وتتقدم بتقدمه.

يقف الجابري في كثير من المواضع موقف الداعية للقطيعة مع التراث بكثير من الحيطة والحذر، إذ لا ينبغي القطع مع هذا التراث في حد ذاته كما يعتقد البعض، بل القطع مع البنية العقلية التي أنتجت هذا التراث وأدواتها المفاهيمية والذهنية التي تظل نتاج سياق تاريخي معين. وهذا ما يؤسس من خلاله الجابري لمشروع فكري لا هو بقبول للتراث جملة وتفصيلا معتبرا أن الدعوة التي تدعو للتراث بهذا الشكل هي دعوة لا تاريخية وغير منتجة وكل ما يمكن أن تفعل هو أن تجعل من ماضينا منافسا لحاضرنا باستمرار الشيء الذي يصنع منا كائنات تراثية لا كائنات لها تراث. ولا هو بالرافض المستلب الذي يرفض تراثه ويقبل قبولا غير واع تراث الآخر.

تبقى علاقة القارئ العربي بتراثه علاقة تذكر لا علاقة نقد وبناء، فهذا التراث الذي توقف عن النمو منذ قرون خلت لا زال العرب يجترونه إلى اليوم عكس التراث الغربي الذي خضع للنقد والمراجعة منذ عص النهضة، فالجابري يرى أن القارئ العربي تلقى تراثه منذ الميلاد ككلمات ومفاهيم، كلغة وتفكير كحكايات وخرافات وخيال. كطريقة في التعامل مع الأشياء يفكر بواسطته ومن خلاله فيستمد منه رؤاه واستشرافاته.

  1. طه عبد الرحمن؛ الفيلسوف المتنور:

صاحب مشروع نقدي برؤية تداولية يروم نقد النزعة المركزية الغربية من خلال الكشف عن إمكانات الإبداع التي يتوفر عليها مجالنا التداولي، فهو بذلك يسعى إلى تحرير المثقف من اغترابه المزدوج؛ اغترابه عن مجاله التداولي من جهة واغترابه عن تمثل خصوصية الفكر الغربي من جهة ثانية، حيث يبحث المثقف العربي المغترب عن سبل تحقق الفكر الحداثي في سياقاتنا العربية بنفس الطريقة متجاهلا أو غافلا عن ظروف وشروط إنتاج هذا الفكر في الأقطار الأوربية، وهذا ما يسقطنا انطلاقا من فكر طه عبد الرحمن في قراءة نقلية لتراث الآخر دون تداولية يكون منطلقها هو قراءة التراث وتفكيكه وإعادة بنائه عبر الوقوف على أهم القراءات السائدة في الثقافة العربية المعاصرة. وذلك من أجل زرع روح الإبداع فيها من جهة، وتشييد تقليد فلسفي جديد مختلف عن القوالب الغربية من جهة ثانية.

أسس لمدرسة منفتحة تستوعب حسنات المدارس الفكرية المعاصرة وتتجاوزها. فهو صاحب مشروع تجديدي وإحيائي ينطلق من منطلق المفاهيم المسؤولة التي بحث عن ماهيتها في أعماق التراث، والدين، والسياسة، والحداثة، وغيرها، فقد كان بمثابة عودة فلاسفة تركوا أبراجهم العاجية واهتموا بالحياة الواقعية المعيشية. فهو كسقراط الذي حدد مفاهيم دقيقة لينقذ شباب أثينا من خطر السوفسطائيين، والغزالي الذي عالج انحرافات العصر التي بدأت في الانتشار بالحث على مكارم الأخلاق. فطه عبد الرحمن أسس لفكر يحث الإنسان أن يتعقل واقعه وينظر إلى واقع غيره، ويعلم أن له حق الاختلاف مع غيره، كما يملك غيره هذا الحق. فكان بذلك سقراط العصر الذي لا ينساق وراء المفاهيم المشاعة دون فحص أو تمحيص، ولكنه عمل على تأصيلها والنظر في إعادة نحتها وصياغتها من جديد حتى تتلاشى الغربة المفاهيمية في الحضارة العربية الحديثة.

يدعو الفيلسوف المتنور إلى الإبداع والتحرر الثقافي في أكثر من موضع في طرحه الفكري قائلا بأوان ثقافة تنويرية تنأى عن التقليد والتبعية لثقافة الآخر بأطروحاتها المذهبية التي نبتت وترعرعت في بنيات غربية قد لا تكون مجتمعاتنا في حاجة إليها، مما ينتج عنه الاغتراب الفكري بين المفكرين وحاجات مجتمعاتهم الفكرية والثقافية، فيصير الحال أشبه بمريض استحضر أدوية لأمراض لا يعاني منها، ثم راح يبحث عن أعراضها الجانبية. فوجود محاولات فكرية عربية إبداعية ومتجددة يمكن أن تكون بداية لتراكم فكري، من الممكن أن ينتج مدارس فكرية، لا فقط بناءات ذاتية ليست سوى امتدادا لفلسفات غربية، يغلب عليها التقليد لا الإبداع. ما جعلنا نحدو حدو المنقول الفلسفي الغربي حدو النعل بالنعل، حتى كأنه لا مشابهة ولا مقايسة إطلاقا، الأمر الذي أدى إلى ازدواجية الفكر الإسلامي العربي لم تورث أهله حتى الآن إلا الجمود على ما نقلوه، فحرموا أيما حرمان من ممارسة حقهم في الإبداع الفلسفي المختلف.[17]

ويرى طه عبد الرحمن أنه لكي تتحقق النهضة الفكرية ويحدث التحرر الثقافي والإبداع الذاتي، لابد من التخلص من آفة التقليد التي سيطرت على فكرنا لعقود طويلة. ويرجع أسباب هذا التقليد إلى ميل النفوس إلى الجديد ونفورها من القديم، والتنقيص من الذات والتعظيم للغير، وطلب الاستفادة وإرادة التغيير، وتسلط الثقافة الأجنبية وقمع الثقافة الوطنية. فعن تقليد المنقول الفلسفي يقول ” قد تكون هذه الأسباب وغيرها من وراء ترسيخ التقليد للمنقول الفلسفي، لكنها تبقى مجرد آثار لسبب موضوعي بارز تعلقت به الفلسفة المغربية تعلقا، ألا وهو الترجمة”[18]. وهكذا يقع المترجم في فخ التقليد وينساق وراءه وينقل إشكالات الغرب، باعتبارها إشكالات فلسفية عربية أصيلة. وتبقى الترجمة رغم ذلك على أهميتها ضرورية ولا مفر منها لحدوث النهضة الفكرية لأي مجتمع كان، وهذه نتيجة يقرها طه عبد الرحمن ويؤمن بها فيقول: “فلا نتصور أنه بالإمكان الرسوخ في العلم بالمعنى الشيق ولا في المعرفة بالمعنى الواسع ولا في التعارف بالمعنى الطبيعي من غير الاندفاع في الترجمة ومواصلة الاشتغال بها، فلا يبقى إذن إلا أن نحفظ الترجمة ونحافظ على العمل بها، فكيف إذن نحفظها دون أن تجلب لنا التقليد؟”[19].

وعن هذا السؤال حاول طه عبد الرحمن الإجابة، من أجل بناء المشروع التجديدي للفكر العربي المستقل عن التبعية للآخر. ولذلك يرى أنه يجب على المترجم المغربي والعربي على السواء أن يتخلى عن النمط الاتباعي في الترجمة بألا ينبني موقفه في الترجمة على تقديس النص الأصلي، وألا يتعامل معها كنصوص الكتب السماوية، وأن ينظر المترجم إلى النص الفلسفي نظرته الطبيعية، فالنص الفلسفي ليس إطلاقا نصا مقدسا، بل هو بالذات عبارة عن نقيض النص المقدس.[20] وألا نقف أمام النص المترجم موقف التلميذ من الأستاذ فكل ما ينبني على التلمذة يجعل اعتبار الغير فوق اعتبار الذات.

ونجد المفكر والفيلسوف التنويري يسائل كذلك العنف من داخل الثقافة الإسلامية، حيث يصطبغ العنف بصبغة دينية متطرفة تجد لها جذورا نظرية في الثقافة الاعتقادية الموروثة التي لا تزال تغذيها تيارات دينية لها امتدادات فكرية واشتغالية في العالم بأكمله. وقد اعتمد طه عبد الرحمن وجهة النظر الإئتمانية كنظر أخلاقي يسلم بعالمية الإسلام وخاتميته، ويسع جميع الأفعال البشرية والقيم الإنسانية المشتركة بين جميع الناس، ما دامت الأخلاق هي أساس الهوية الإنسانية لا مجرد فضيلة مضافة إليها وخصيصة لأمة بعينها. ومن ثمة فإن مواجهة العنف مسؤولية جميع الناس في جميع الأزمنة والأمكنة والأجيال.[21]

 

 

  1. أحمد الريسوني؛ الفقيه المتنور:

درس الدكتور كتب التراث الفقهي المالكي بتأن كبير. ثم صرف كل اهتمامه نحو كتاب “الموافقات في أصول التشريع” للإمام الشاطبي، الذي يعتبره الفقهاء الكتاب الذي نفخ في الفقه روحا من الحياة، ليقوم بدراسة وافية حوله في كتابه الذي ترجم إلى الكثير من اللغات نظرية المقاصد عند الشاطبي والذي لا زال يعتبر مرجعا أساسيا في الدراسات الفقهية والأصولية في كل الجامعات العربية والعالمية.

لقد أثمر اهتمام الريسوني بعلم المقاصد، ترسخ نموذج فكري فريد في وعيه، سماه في رسالته الأكاديمية “نظرية التقريب والتغليب”، وهي نظرية رائدة في الاعتبار الفقهي المعاصر، تقوم على محاولة الوصول إلى الكمال في معالجة أي قضية، والبحث عن أقصى درجات اليقين في الاستدلال، فإن كان هذا الأمر متعذرا، فإن الأخذ يكون بما تدل عليه القواعد الكبرى، وتهدي إليه الأدلة العامة. وهو الأمر الذي جعله ينظر إلى الاجتهادات الفقهية، والآراء السياسية، والتراث الإسلامي، بعقلية تراعي التنسيب، وتتجنب إصدار الأحكام المطلقة والنهائية. لهذا انتقد مرارا العقلية الجامدة التي يتعامل بها الفقهاء مع التراث الفقهي الإسلامي، ويدعو إلى تحريك اجتهادات فقهية تلاءم الواقع المعاصر دون الخروج عن قواعد الشريعة ومقاصدها الكبرى. وفي المقابل لا يتوانى عن انتقاد الجامدين على التراث الفقهي من أبناء التيار الإسلامي، ومن الفقهاء الذين يقعون تحت ”ضغط التراث القديم وهيبته، يعاملونه كما لو كان هو الشرع المنزل، قلة منهن من تحررت واتجهت نحو الاستنباط المتحرر“.[22]

اعتبر الفقيه المغربي، أحمد الريسوني، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن الحركات الإسلامية تشبه الأنظمة العربية في الخوف من الحرية، وأن بعض مسؤولي هذه الحركات يظنون أنفسهم “حراس المعابد”، متحدثا عن أن “العقم” في الفقه الإسلامي يعود إلى وطأة الاستبداد، محملا هذا الأخير كذلك مسؤولية ظهور الجماعات المتشددة التي تدعو للعنف والقتال.

انتقد الريسوني كثيرا الحركات الإسلامية والعقلية التي يفكر من خلالها أبناء التيارات الإسلامية، فهو يرى أنهم يعتقدون بأنهم المدركون والضامنون للمصالح العليا وللاختيارات السليمة والمواقف، وأنهم هم حراس الشرعية أو حراس المعابد. وفي هذا الإطار نجد نوعا من النقد الذاتي إذا لم يمنعه انتماؤه السابق لحركة إسلامية من توجيه النقد لها، مشبها إياها بالأنظمة العربية في الخوف من الحرية.

  • المتكئات المؤسساتية بين التقليد والتجديد:
  1. الكتاب ودوره التربوي:

تبدأ العملية التعليمية من الكتاب الذي يشكل قاعدة البناء وأساسه، وكان المغاربة واعين بالدور الذي تؤديه الكتاتيب القرآنية، لذلك وفروها بكثرة لناشئتهم سواء في المدن أو القرى أو المداشر، فحيثما حللت وارتحلت تجد هذه المؤسسات التربوية التعليمية التي تؤدي دورها تحت رعاية الآباء وإشرافهم، وهم الذين يختارون لها معلما جيدا في سلوكه وأخلاقه، ناصحا، عارفا بطرف من علوم الشريعة وآدابها وأخلاقها.

وقد نصت رسالة طويلة وجهها السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام العلوي إلى ولاته على ذلك بقوله ” ويلزم العامل كل دوار أو جماعة مشارطة طالب علم يرجعون إليه في أمر دينهم وتعليم صبياهم وجها لوجه، ويقوم بالأذان والصلوات الخمس في أوقاتها، ومن لم يفعل زجره وعاقبه” [23]

يكون للآباء دور الإشراف على هذه الكتاتيب وتتبعها حتى وإن كانوا أميين يعون كل نقص في أدائها لدورها الحيوي في التربية والتعليم إلى الساهر على العملية التربوية. ويخضع الكتاب من حيث برنامجه وعرف تقليدي لشكليات تنظيمية، فمن حيث استعمال الزمن، فالأسبوع الدراسي يبتدئ عشية يوم الجمعة، ويستمر إلى مساء يوم الأربعاء، وهو أسبوع مكثف بالحضور والدراسة، يستغرق كل وقت التلميذ في النهار، مع شطر كبير من أول الليل وآخره…

وإذا كانت هذه الكتاتيب وهو ما يهمنا ها هنا قد لعبت دورها في التحفيظ والتلقين فإنها عرفت تراجعا في الفترات الأخيرة وهو ما قوبل بآراء علماء معاصرين مثل المختار السوسي الذي تحسر على أفول نجم الكتاتيب وفتور همم الطلبة عن المجامع القرآنية. وعلى النقيض نجد العلامة محمد الكانوني الذي لا يرى كبير جدوى للكتاتيب المقتصرة على حفظ القرآن مجردا، وعنده أن ذلك ليس اجتهادا، وإنما هو تقصير كبير.

هذه الكتاتيب القرآنية تراجعت بشكل كبير حتى في البوادي التي كانت تعرف انتشارا كبيرا لهذه الكتاتيب أواخر الثمانينات، لكنها أصبحت قليلة في ظل اكتساح المدراس العصرية لكل المناطق أدى إلى تراجعها، وحتى على مستوى التعليم في المدارس العتيقة أصبح مع الإصلاح الديني الذي يعرفه المغرب موجها ببرامج شبيهة ببرامج النظام العصري. فالكتاتيب القرآنية بصفتها القديمة التي كانت تضطلع بدورها في تحفيظ القرآن وتحفيظ المتون لم يعد لها الأثر الكبير.

  1. جامعة القرويين:

تعد جامعة القرويين التي أسست عام (245هـ=859م) من معاقل العلم الإسلامي، ومركز إشعاع فكري وحضاري أصيل، فهي من أقدم الجامعات في العالم، وواحدة من أبرز المآثر التاريخية التي تفتخر بها مدينة فاس كعاصمة علمية وروحية للمملكة المغربية. إشعاع هذه المعلمة مستمر منذ نحو 12 قرنا، حيث ظلت موطنا لحركة علمية وفقهية نشطة، ومشتلا لظهور العديد من العلماء العرب والغربيين أيضا. فهي أكبر من الأزهر وأقدم وضعت لبناتها في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ومنها تخرج علماء المغرب، ودرس أبو بكر ابن العربي والحاتمي، وابن خلدون، وأبو الحسن الشادلي، وابن غازي وغيرهم كثير… وقد احتكت جامعة القرويين بغيرها من الجامعات الإسلامية المجاورة، مثل قرطبة، وغرناطة وإشبيلية، والزيتونة، والأزهر، وغيرها.[24]

عرفت جامعة القرويين تلقين العلوم الدينية والأدبية والعقلية التي كانت سائدة في تلك العصور، وهي العلوم التي تعنى بدراسة كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، وعلم القراءات، وعلم الكلام والأصول والتصوف على طريقة الجنيد، والعلوم الأدبية كانت تشمل النحو واللغة والعروض والبيان والتاريخ والسيرة.
أما العلوم العقلية التي كانت تلقن للطلبة بهذا الجامع العتيد فهي علم الرياضيات والهندسة والتنجيم والهيئة، وبعض الباحثين يرى أن العلوم الطبية، كانت مادة التدريس بجانب تلك العلوم العقلية. وبذلك أصبح الجامع جامعة علمية يؤمها الطلبة من مدن المغرب والأندلس والمشرق، وحلبة يجتمع فيها العلماء والفقهاء للتدريس والتأليف، وأصبحت مؤسسة عليا تعتمد عليها الدولة في تكوين العلماء والقضاة الذين كان لهم دور كبير في الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في المغرب والأندلس.

لقد كان للجامعة دورها في بناء ذهنيات من درسوا فيها وفق أسس عقلانية تنويرية، فكان المفكرون والدعاة والمصلحون الذين تخرجوا من هذه الجامعة العتيقة، ومنهم المفكر “علال الفاسي”، يرون في توجههم الإصلاحي أن تكون الخطوة الأولى في بداية الإصلاح هي محاربة الأفكار الهدامة التي سيطرت على الناس وترسخت في عقولهم، وأصبح سلطانها قويا ومتمكنا في عاداتهم وتقاليدهم. والإسلام بريء منها، ولا يتم هذا الإصلاح إلا بالرجوع إلى تعاليم القرآن، ثم الدعوة لاستخدام العقل، والنظر السليم في كل أمر من أمور الدنيا والدين. ولذلك كانت جامعة القرويين منذ تأسيسها تجعل هدفها الأول هو التكوين العلمي والديني والثقافي والإصلاحي لطلبتها، وبذلك حافظت على العلوم الدينية واللغوية والفكرية، وعملت على توهجها، وأخرجت نخبة من الوطنيين الأحرار الذين أسهموا في تحرير المغرب من عبودية المستعمر، وكان لهم الفضل في تنوير عقول الشباب الذين خاضوا معركة الكرامة، كما كان لهم الفضل أيضا في وضع الأسس والمعالم لمستقبل المغرب في النواحي التربوية والثقافية والسياسية والإدارية والاقتصادية.

  1. مؤسسة المسجد:

لم يعد ذلك المسجد القديم الذي عرف قبل الاستعمار أو أثناء الاستعمار، إذ كان المسجد بمثابة النواة الموجهة والواعظة التي تبعث في المسلم روح الإيمان والجهاد وروح التوعية، وكان بمثابة القطب الذي يؤخذ منه كل شيء من علوم الدين والدنيا، وحتى بداية الاستقلال وإلى حدود الثمانينات كان المسجد له دور من تلك الأدوار القديمة يحتفظ به، لكن مع بروز فكر الإصلاح الديني وتأميم المساجد، أصبح المسجد بمثابة فضاء للتربية على قيم المواطنة والتوجيه، ففي خطب الجمعة التي كانت لتفقه المسلمين في أمور دينهم وفقط، أصبحت عبارة عن خطب في التاريخ وذكرى الأعياد الوطنية وغيرها، فلم يعد المسجد بذلك تلك المؤسسة التي تروج لفكر ديني وتنوير المجتمع في أمور تهم الفقهيات، بل أصبح ينخرط بدوره في ما يروج ويهم المجتمع من مستجدات وبنوع من الرقابة الشديدة للمؤسسة الرسمية التي تمثلها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية . وقد أصبح المسجد قبلة للتعلم والقراءة والكتابة للنساء والرجال.. والنساء أكثر حضورا في دروس محو الأمية ودروس الوعظ والإرشاد كما أصبح المسجد مدرسة لتعلم القرآن حفظا ورسما وتجويداإلخ.

وكل هذا يدخل في إطار الإصلاح الديني وحماية المسجد من التطرف وازداد التركيز على هذا النوع من الإصلاح مع أحداث الانفجارات التي عرفتها الدار البيضاء والتي وصفت بكونها انفجارات الجهاديين التكفيريين.

  1. الزوايا:

كانت الزوايا في الماضي بمثابة مكان يقصده المريدون والأتباع ويتبعون طريقة صاحب الزاوية أو شيخها أو من ينوب عنه، فقد كانت مركزا للدفاع عن الثغور التي كانت تستعمر من قبل القوى الخارجية، كما أنها كانت أحيانا تنازع السلطات الحاكمة لتصل إلى الحكم. لكن الزاوية في عصرنا لم يبق لها أثر إلا على عدد قليل من الناس أو مريدي وشيوخ الزاوية من خلال المواسم السنوية التي تقام ويحصلون فيها على مجموعة من الهبات والهدايا سواء عن طريق الزائرين لهذه المواسيم أو من طرف المؤسسة الملكية. والملاحظ أنه ما بقي من تلك الزوايا يذكر كثيرا سوى زاويتين: البوتشيشية والتيجانية وبعض الزاويا التي لم يعد لها ذلك الأثر الكبير كالدرقاوية والحمدوشية وزاوية تازروالت وغيرها. فقد تراجع فكر الزوايا ولم يعد سائدا مسيطرا كما كان في الماضي وله أتباع ومريدون وطريقته التي كانت تنتشر، وفقط الزاوية البوتشيشية أو التيجيانية التي لها صيت حتى أعماق إفريقيا رغم تراجع تأثيرها، فهذه الزوايا لم يكن لها خطاب ديني تجديدي يضمن استدامتها واستمرار فكرها.

  1. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية:

تشكل القناة المركزية التي تترجم السياسة الدينية للدولة حيث تتحمل مسؤولية خدمة المرفق العام وتتمتع بخاصية أداء مهمة رسمية في المجال الديني وتتعلق بشكل مباشر باختصاصات الملك بصفته أميرا للمؤمنين، وهو ما يفسر أن اختصاصاتها وتنظيمها كان يحدد دوما بظهير شريف وليس بمرسوم كما هو الشأن بالنسبة لقطاعات وزارية أخرى.[25]

وتقوم الهيكلة الحالية لهذه المؤسسة على تطبيق مبدأ القابلية للتكيف، على اعتبار أن الهياكل المركزية للوزارة شهدت تجديدا سيمكنها من الاستجابة للحاجيات الآنية والواقعية للحقل الديني. ويقوم منطق عملها على تأهيل مؤسساتي يعمل على تحديث المرفق الديني وذلك من خلال مديريتين مركزيتين: مديرية المساجد ومديرية التعليم العتيق.

وتهدف الوزارة بذلك وتتغيى إصلاحا قائما على عقلنة الممارسة الدينية ومحاربة كل ما من شأنه أن يكون ممارسة تتخذ من المسجد مجالا خصبا للتيارات المتطرفة ولأعمالها الهدامة. ويمكن القول بأن مبدأ القابلية للتكييف يترافق بالضرورة مع تحديث هذا المرفق العمومي الذي يتعزز فيما بعد بمجهود إضافي  في مجال تأهيل الموارد المالية والبشرية.

وتستجيب مديرية التعليم العتيق بدورها لمجهود تأهيل القطاع على اعتبار أنها تختص بتحديد استراتيجية تربوية متعلقة بالتعليم العتيق وإعداد الخريطة الوطنية ووضع نظم الدراسات في إطار برامج التعليم العام والإصلاح المعمق الجاري في مجال التربية والتكوين، وكذا تكوين القيمين الدينيين وخاصة الخطباء وتأهيلهم وإعدادهم علميا.

  1. دار الحديث الحسنية:

لقد شكل معهد مولاي يوسف بمراكش وجامع القرويين قناتين تقليديتين لإنتاج العلماء، فتم الاستغناء عن الأول، في ين تم تحويل طبيعة جامع القرويين إلى مؤسسة تعليمية مندمجة في وزارة التربية الوطنية تخرج أفواجا من الطلبة الحاصلين على الإجازة وذلك بمقتضى إصلاحات 1963 ليتم الإعلان عن تأسيس دار الحديث الحسنية سنة 1964 التي أنيط بها الاعتناء بالدراسات الإسلامية العليا المتخصصة فراهنت عليها المؤسسة الرسمية باعتبارها القناة المركزية لإنتاج العلماء أنذاك.

أما عن دورها في الإصلاح الديني، فكان هدفها تجديد ما اندثر من العلوم الإسلامية، لكن ومع الأحداث التي عاشها المغرب إبان 16 ماي 2003، تم طرح سؤال الإصلاح الديني مجددا، وبروز أصوات تحمل الثقافة الدينية الخوارجية –الوهابية- نتائج ما حدث، الأمر الذي جعل الملك محمد السادس وفي سياق الإصلاحات التي أقدم عليها، على تعيين أحمد الخمليشي على رأس الدار، لإعادة هيكلتها وإنتاج علماء متشبعين بقيم الحوار والتسامح والعصر والحداثة، وتجديد المنظومة التربوية والعلمية المؤسسة بما تتطلبه المرحلة وتوافقاتها مع متطلبات المرحلة.

  1. الرابطة المحمدية للعلماء:

في سياق تأهيل الحقل الديني وتجديده، تحصينا للمغرب من نوازع التطرف، تم إنشاء هيئة جديدة أطلق عليها “الرابطة المحمدية للعلماء” بدل “رابطة علماء المغرب”. التي تهدف حسب ما جاء في ظهيرها الشريف[26] بأحكام الشرع الإسلامي الحنيف ومقاصده والعمل على نشر قيم الإسلام السمحة وتعاليمه السامية بالحكمة والموعظة الحسنة واحترام مبادئ الوسطية والاعتدال. كما تهدف إلى التعريف المساهمة في تنشيط الحياة العلمية والثقافية في مجال الدراسات الإسلامية من خلال توثيق أواصر التعاون والشراكة مع المؤسسات الجامعية والهيئات العلمية الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

وتشتغل الرابطة على أهدافها عبر آليات مؤسساتية متعددة ومتنوعة ومواكبة شاملة لعناصر التحديث، وهو ما يتجلى من خلال ما تتوفر عليه من مراكز للأبحاث والدراسات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر “مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث” و “مركز الدراسات القرآنية” و ” مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام” كما تتوفر على عدة وحدات منها “وحدة تفكيك خطاب التطرف” و “وحدة الإحياء”، بالإضافة إلى منابر الرابطة الإعلامية المتنوعة من مكتبة رقمية ومجلات ومنصات تعليمية.[27]

كلها إذن عوامل مساعدة لتضطلع الرابطة بدور إصلاحي حيوي بخصوص الشأن الديني بالمغرب كمؤسسة رسمية بشكل يساهم في التنوير الديني.

  1. التعليم كمدخل للتنوير الديني:
  2. اهتمام المغاربة بالدراسات القرآنية والتعليم الديني:

لا شك أن المغرب كان في موضع يتطلب منه أن يبذل قصارى الجهود عساه أن يكون من جهته مكافئا لذلك الكل المتعدد والنبع المتجدد، علما أن الأمة لا نهوض لها إلا بشقيها شرقها وغربها. وقد وجدنا عبء النهوض بهذا الواجب حاضرا في همة الأجداد والأسلاف، ولذلك ما تخلف المغرب على أيديهم في تحقيق التكافؤ والتوازن العلمي والحضاري المنشود. وقد طفحت بلاد المغرب بدور العلم ومجالس الدرس ومقرات الدراسات القرآنية من جامعات ومساجد، ومدار ومعاهد، وزوايا وكتاتيب، وخزائن علمية زاخرة.

ونجد من دواعي اهتمام المغاربة بالقراءات القرآنية، التشجيع الذي يتلقاه المقرئ الحافظ من المجتمع الذي يجله ويقدره، ثم ما يخص به القائم على المؤسسة الرسمية الملكية هؤلاء من الإكرام والتقدير، فالسلطان الحسن الأول ينزل على سيدي الزوين في مدرسته بالحوز تشجيعا منه لما يقوم به من جهود في خدمة القرآن، كما كان يقرب شيوخا من العلماء ويوليهم الوظائف السامية.[28]

ودرج السلطان عبد العزيز على نهج والده ففسح المجال لأشهر عالم مقرئ بالمدينة المنورة، ليستقر في المغرب وينشر علم التجويد التطبيقي بين الطلاب في فاس، ويؤلف في ذلك مؤلفا يهديه إلى السلطان، ويطلب منه إقامة مدرسة خاصة بتدريس هذا الفن. وكذلك الشأن للسلطان عبد الحفيظ ومحمد الخامس الذي أنشأ مدرسة للمقرئين بفاس، والحسن الثاني في اهتمامه بطباعة المصحف وبتأسيسه للقراءات السبع باسمه، وما سار عليه في هذا الصدد وارث سره الملك محمد السادس من عنايته به حفظا وتجويدا وقراءة، وحرصه على تحصين التعليم العتيق والحفاظ على خصوصيته وعلى إشعاعه الثقافي والعلمي، “…وفي هذا السياق حرصنا على تأهيل المدارس العتيقة وصيانة تحفيظ القران الكريم وتحصينها من كل استغلال أو انحراف يمس الهوية مع توفير مسالك وبرامج للتكوين تدمج طلبتها في المنظومة التربوية الوطنية وتجنب تخريج الفكر المنغلق وتشجع الانفتاح على الثقافات…”[29]. واعتمدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية استراتيجية تروم إصلاح هذا التعليم ومراجعة برامجه ومناهجه، واتخاذ كافة التدابير والإجراءات وتحديد القرارات الكفيلة بتحقيق تأهيل أمثل يمكنه من الاندماج في المنظومة الوطنية للتربية والتكوين، والاستفادة من المكتسبات التربوية التي يتمتع بها التعليم العمومي العصري. فضلا عن جهود ودعم المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية التابعة له لهذه المدارس، وكذلك ما تقوم به الرابطة المحمدية للعلماء من أجل تفعيل الحركة العلمية في البلاد ودعمها بما يلزم خصوصا في مجال اللقاءات والندوات ونشر الأبحاث.[30]

عرفت مؤسسة التعليم العتيق بالمغرب إذن تحديثا في العمق من خلال تأسيس دور ومدارس التعليم العتيق وتقنينها على شاكلة المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة التربية الوطنية.. حيث تم إدراج مجموعة من المواد العلمية والاجتماعية إلى جانب المواد الشرعية .. وأصبح طالب التعليم العتيق مند 2004 ينهل من العلوم الشرعية والعلوم الحديثة ايضا .. مما مكن المملكة الشريفة من سد الطريق على التيارات المتطرفة التي كانت تتغدى من خريجي التعليم العتيق وتشجعهم على التطرف والغلو والإرهاب فبفضل هذا التحديث تمكنت الدولة من تجفيف منابع ومصادر الإرهاب.

يظهر هذا الاهتمام بالتعليم الديني في المغرب بشكل جلي من خلال ما بلغه الاهتمام به مؤسساتيا سواء على شكل كتاتيب قرآنية أو مدارس للتعليم العتيق، أو مراكز للتحفيظ. وفيما يلي إحصائيات مؤسسات التعليم الديني[31] لسنة 2016 – 2017 كما هو مبين في الجداول أسفله:

جدول رقم 1: توزيع مدراس التعليم العتيق حسب ارتباطها بالمسجد والوسط:

مدارس التعليم العتيق بالوسط القروي بالوسط الحضري المجموع
العدد النسبة العدد النسبة
ملحقة بالمسجد 112 %69.57 49 30.43% 161
مستقلة عن المسجد 35 27.34% 93 72.66% 128
المجموع العام 147 50.87% 142 49.13% 289

 

جدول رقم 2: توزيع مدارس التعليم العتيق حسب الأطوار الدراسية والجامعية التي تتوفر عليها والوسط

الطور الدراسي/ الجامعي الوسط المجموع
قروي حضري
الابتدائي العدد 142 120 262
النسبة 96.60% 84.51% 90.66%
الإعدادي العدد 48 68 116
النسبة 32.65% 47.89% 40.14%
الثانوي العدد 26 44 70
النسبة 17.69% 30.99% 24.22%
النهائي العدد 1 4 5
النسبة 0.68% 2.82% 1.73%

 

جدول رقم 3: توزيع الكتاتيب القرآنية حسب ارتباطها بالمساجد والوسط والجهة المشرفة عليها

الكتاتيب القرآنية مجموع الكتاتيب

القرآنية

عدد الكتاتيب التي
تشرف عليها جمعيات لا تشرف عليها جمعيات
ملحقة بالمساجد قروي 9563 102 9461
حضري 1466 145 1321
المجموع 11029 247 10782
مستقلة عن المسجد قروي 229 74 155
حضري 717 283 434
المجموع 946 357 589
المجموع العام 11975 604 11371

 

جدول 4: توزيع مراكز التحفيظ حسب ارتباطها بالمساجد والوسط

مراكز تحفيظ القرآن الكريم بالوسط القروي بالوسط الحضري المجموع
العدد النسبة العدد النسبة
بالمساجد أو ملحقة بها 509 25.41% 1494 74.59% 2003
مستقلة عن المساجد 43 29.86% 101 70.14% 144
المجموع العام 552 25.71% 1595 74.29% 2147

جدول5: توزيع المكلفين بالتحفيظ حسب وسيلة التحفيظ المعتمدة وارتباط مراكز التحفيظ بالمساجد

الجهة بالمساجد أو ملحقة بها مستقلة عن المسجد المجموع
تقليدية عصرية تقليدية وعصرية تقليدية عصرية تقليدية وعصرية تقليدية عصرية تقليدية وعصرية
الدار البيضاء –سطات 23 536 58 2 9 2 25 545 60
الرباط سلا القنيطرة 4 526 22 5 8 1 9 534 23
طنجة تطوان الحسيمة 16 356 18 2 15 0 18 371 18
مراكش أسفي 30 194 78 1 8 0 31 202 78
الشرق 45 80 92 10 12 18 55 92 110
درعة تافيلالت 8 135 42 1 65 5 9 200 47
بني ملال خنيفرة 3 199 11 0 11 2 3 210 13
سوس ماسة 7 122 61 0 9 7 7 131 68
فاس مكناس 17 161 18 3 3 4 20 164 22
العيون الساقية الحمراء 2 10 12 1 1 17 3 11 29
كلميم واد نون 5 14 10 0 0 0 5 14 10
الداخلة وادي الذهب 0 9 0 0 0 0 0 9 0
المجموع العام 160 2342 422 25 141 56 185 2483 478

 

  1. تعليم المرأة كفكر نهضوي:

كانت قضية تعليم الفتاة فترة التثاقف الحضري للمغرب مع أوربا من بين القضايا التي حركت تفكير الفقهاء ووضعتهم أمام نوازل اعتبروها من الأمور الوقتية والمستجدة، والتي خاضوا فيها للفصل فيما إذا كانت بدعا مخالفة للشرع أم العكس. ويتعلق الأمر هنا بالموقف من الهاتف والتلغراف وهل يعتد بالخبر الشرعي المنقول بواسطتهما، كرؤية هلال رمضان، وأيضا ما يخص المعاملات التجارية والبنكية والمالية… وكذا تعليم البنات والتصوير الفوتوغرافي… إلخ. ويذكر محمد بن الحسن الوزاني في مذكراته أن هذا الرفض لتعليم البنات من بعض الفقهاء جاء بدعاوي منها ” أن النساء عسيرات الانقياد بصفتهن جاهلات. فكيف بهن إذا صرن مثقفات؟ وأن الساعة لم تحن بعد لتعليم البنات، وأن الرجال قوامون على النساء فلا يجوز عكس ذلك…الخ[32].

وقد كانت قضية تعليم المرأة بالمغرب من القضايا التي كان لها من الأهمية الشيء الكثير في نهضة المغرب رغم ما أثارته من جدل كبير، حيث نظر إليها أغلب المغاربة كبدعة. وقد كان التعليم أنداك دينيا يلقن في الكتاتيب القرآنية في مختلف أحياء وأزقة المدن المغربية، وقد تجاوز عددها بمكناس أربعين خلال مرحلة الحماية. ولم يخصص غير واحد للبنات كان بقصر المدرسة حيث تسكن العائلات المخزنية. وهو ما يبين دور الوسط العائلي في الحظوة بالتعليم.

وقد مثلت الحركة الوطنية موجة احتجاج حقيقية، وكان الوطنيون مقتنعين بأن بإمكان المغرب تجديد بنياته، واكتساب حيويته المفقودة، بتخليه عن التقاليد البالية حتى يجتاز الهوة التي تفصله عن العالم الصناعي وهكذا فإن تعليم البنات الذي لم يكن يفكر فيه خلال السنوات السابقة غذا مطلبا لدى الوطنيين سنة 1942 فدخلت الفتيات قاعات الدرس ووضعن بين أيدي مدرسين ذكور. وهنا لابد من استحضار إسهام رائد من رواد تعليم المرأة، فقد كان الحجوي فقيها وعالم وتاجرا ساعدته تجربته الكبية في إدراك الأمور على حقيقتها، ولهذا كان رائد الفكر المغربي في عهد الحماية، وإليه يرجع فضل السبق في تبني قضية تعليم البنات. ونظرا إلى أنه كان رائدا فقد لقي معارضة شديدة من قبل التيار المعارض لتعليم المرأة. ولكونه كان من أوائل الذين تكبدوا عناء الدعوة إلى تعليم المرأة، فقد تطرقت العديد من الدراسات لفكره وموقفه من تعليم البنات، وهو ما يعفينا من الخوض في كل تفاصيل مواقفه.

انخرطت المرأة العالمة المغربية بشكل فعال وكبير بعد ذلك في مشروع تأهيل وإصلاح الحقل الديني بالمغرب، بحضورها القوي داخل المسجد وداخل المجالس العلمية وفي دور العجزة والمستشفيات والمؤسسات التربوية والتعليمية.. وفي جل المنابر الإعلامية، ومؤسسات أخرى كتمكين المرأة من مهنة العدل.

  1. تاريخ التعليم بالمغرب تاريخ إصلاحات:

إن الناظر لجميع التحولات والإصلاحات التي عرفتها منظومة التربية والتكوين بالمغرب منذ الاستقلال إلى حدود اليوم، سيقف على سلسلة من اللجان والاستراتيجيات وبناء التوافقات، لأن تاريخ التعليم بالمغرب هو تاريخ إصلاحات. ولعل أبرز هذه الإصلاحات التي أرادت أن تصبح جزءا من تاريخية الذات المغربية التي تقاوم من أجل إنجاحها. نجد كإشارة اللجنة العليا للتعليم (1957)، والتي تهم إصلاح التعليم الموروث عن الاستعمار (الهياكل، البرامج، الأطر..)، وكذلك اللجنة الملكية لإصلاح التعليم ( 1958) والتي تدعو إلى إجبارية ومجانية التعليم مع توحيد المناهج والبرامج. بالإضافة إلى لجنة الميثاق الوطني (2000) والمخطط الاستعجالي (2009 – 2012) بزرع نفس جديد في مسلسل إصلاح المنظومة التربوية باعتماد بيداغوجيا الكفايات والإدماج، محاربة الهدر المدرسي، تشجيع جمعيات دعم مدرسة النجاح. وأخيرا نجد الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التربية والتكوين في أفق سنة 2030. [33]

وتحظى قضية التربية والتكوين بالمغرب بإشراف ملكي ووزاري يروم النهوض بالقطاع وإصلاحه عبر تفعيل أليات الدعم الاجتماعي وتأهيل الفضاءات المدرسية بشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل المقاربة بالكفايات والإدماج للارتقاء بجودة التعلمات الأساسية، والتفكير الجدي في ملاءمة الكتب المدرسية مع البيداغوجيات الحديثة في أفق تغيير البرامج والمناهج.

ويرى محمد أمزيان وزير التعليم الحالي أن نجاح الإصلاح التربوي المنشود مرتبط بالأساس بإعطاء الأولوية للحلول التربوية والبيداغوجية، لمعالجة اختلالات المنظومة التربوية عبر استبعاد منطق المعالجة التقنية الصرفة للإشكاليات التربوية، وتجاوز المقاربة الكمية إلى ما هو نوعي، من خلال التركيز على المستهدف الأساسي من الإصلاح (التلميذ/ التلميذة)، وكذا تجديد المحتويات والمضامين وتحديث البرامج والمناهج الدراسية، ومراجعة المقاربات التدبيرية المعتمدة حاليا في تسيير الشأن التربوي.

جدول رقم 6: بعض مؤشرات تطور التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بالمغرب[34]

العدد                                           السنة 2004 – 2005 2008 – 2009 2012 – 2013 2016 – 2017
التلاميذ الذكور 31773889 5791051 5713683 5563607
الإنات 2713872 1574880 1971824 2304071
المؤسسات عمومية 8735 9397 10208 10833
خصوصية 1800 2798 3656 4948
هيئة التدريس 223408 256461 289514 283189
هيئة الإدارة 12381 25734 45087 47460

المصدر: مديرية الدراسات الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط، قسم الدراسات والإحصاء

  1. تغيير مناهج التربية الإسلامية:

أقدمت وزارة التربية الوطنية بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتوصيات من الملك محمد السادس في إطار مسلسل الإصلاحات التي تشمل المنظومة التربوية كما جاء في خطابه”… في سياق الإصلاحات التي دأبنا على القيام بها من أجل خدمة المواطن، يظل إصلاح التعليم عماد تحقيق التنمية، ومفتاح الانفتاح والارتقاء الاجتماعي، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق[35]– أقدمت على مراجعة المنهاج الدراسي لمادة التربية الإسلامية في المراحل التعليمية الثلاث (الابتدائي، الإعدادي، الثانوي التأهيلي)، وفق تصور جديد للمادة يروم تلبية حاجات المتعلمين والمتعلمات الدينية، التي يتطلبها سنهم وزمانهم ونموهم العقلي والنفسي والسياق الاجتماعي وتنشئتهم وبناء شخصيتهم بأبعادها المختلفة، الروحية والبدنية، وإعدادها إعدادا شاملا ومتكاملا”

وتجد هذه التعديلات مؤداها في رغبة المغرب في انفتاح العليم الديني على محيطه، وتحييده ومراجعته ليبتعد عن كل ما من شأنه تأويله بالدعوة إلى العنف والتطرف. وشملت هذه التعديلات نصوصا من منطلق أنها تحتوي على آيات القتال والجهاد. وهو ما قاله عنه الكاتب والباحث المغربي سعيد لكحل ” أن تنقيح مقررات التربية الإسلامية، وحذف الاجتهادات الفقهية التي تحرض على قتل المرتد، وكراهية أهل الديانات الأخرى، وكذا حذف آيات الجهاد، كانت مطالب ملحة فرضت نفسها عقب التفجيرات الإرهابية في 16 مايو/أيار 2003″. معتبرا أن تلك المقررات توحي للتلاميذ أنهم يعيشون في مجتمع لا يطبق شرع الله، وتنشئتهم على ثقافة القتل، وتحبب لهم الجهاد ضد كل من يخالفهم، كما تخلق لديهم استعدادا لتقبل جرائم القتل على خلفية التكفير والاختلاف في العقائد، في الوقت الذي يقر فيه الدستور المغربي حقوق الإنسان المتعارف عليها كونيا”.

فالمناهج الدراسية يجب أن تتجه نحو تنوير العقول، وبناء مواطن كوني ينتمي إلى الحضارة الإنسانية ويتقاسم قيمها، ما يستدعي تجديدها بما يخدم هذا الهدف، لا ما يخلق إنسانا طائفيا يمقت باقي الأديان والثقافات.

  1. كليات ومعاهد الفكر الديني بالمغرب:

اهتمت مؤسسات التعليم بالمغرب بدراسة وتدريس الفكر الديني منذ أولى الجامعات المغربية وأعرقها، حيث يتعلق الأمر بجامعة القرويين بفاس، وكذلك ملحقاتها في عدد من المدن المغربية، والتي استطاعت أن تنتج فكرا دينيا مازال يعتبر الأساس الذي بنيت عليه الإنتاجات الفكرية في هذا المجال إلى الآن. وقد عرفت هذه الجامعة تحولات على مستوى بنياتها المؤسساتية بحيث تم إلحاق بعض الكليات التابعة لها خلال سنة 2015 بالجامعات العادية. وأصبحت المؤسسات التابعة لها كالتالي:

 

جدول 7: المؤسسات التابعة لجامعة القرويين بعد تغيير 2015.

المؤسسة المدينة
مؤسسة دار الحديث الحسنية الرباط
معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية الرباط
المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب الرباط
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات الرباط
معهد الفكر والحضارة الإسلامية الدار البيضاء
جامع القرويين للتعليم النهائي العتيق فاس
معهد تاريخ العلوم الإسلامية في طور الإنجاز لاحقا

أما فيما يتعلق بباقي كليات وأصول الدين فنجد:

جدول 8: كليات الشريعة بالمغرب.

الكلية المدينة
كلية أصول الدين تطوان
كلية الشريعة فاس
كلية اللغة العربية مراكش
كلية الشريعة أكادير
كلية الشريعة السمارة

 

 

  1. خصوصية التنوير الديني بالمغرب:

إن تناول التنوير الديني في المغرب يحتم علينا بالضرورة استدعاء كل الأطراف الفاعلة في مجال الفكر الديني بالمغرب. ولعل الحركات الإسلامية كفاعل اجتماعي أعز ما يطلب للوقوف عند تجليات هذا الفكر ومدى القابلية الواقعية لإرساء دعائمه. لذا نجد أنفسنا بالضرورة مطالبين بالوقوف عند واقع هذه الحركات الذي لا ينفصل عن امتداداته الإقليمية، حيث ارتبط الفعل الحركي الإسلامي بتمثل تجربة الإخوان المسلمين بالشرق وخاصة ما يتعلق بمسألة الدولة، والدين والمجتمع.

يمكن التمييز كما سيأتي فيما بعد بين الفاعل المنخرط في النسق السياسي المغرب (العدالة والتنمية)، الفاعل الرافض للاعتراف بشرعية المؤسسات (العدل والإحسان)، الفاعل الإسلامي الذي يركز على الجانب القيمي الأخلاقي والروحي (الصوفية) دون إغفال مكون يروج للعنف (السلفية الجهادية)[36]. ويمكن الاقتراب أكثر من هؤلاء الفاعلين من خلال الوقوف عند تجربة بعض الحركات الدينية المذكورة.

  1. الجانب التجديدي في خطاب حركات الإسلام السياسي:

أن تنظر في الخطاب الديني بالمغرب عبر محطاته التاريخية التي قطعها باحثا في جوانبه التنويرية، معناه أن تصول وتجول في كل البنيات الدينية فكرية كانت أم مؤسساتية تنتج خطابا دينيا. فمن الخطاب التقليدي القائم على تلقين القرآن وبعض المتن والفكر المرتبط بالزاوية، حيث الدروشة وخطاب ديني يختصر الإسلام كله في الجلوس والذكر وقراءة القرآن ولا يعرف تسيير المجتمع في شيء ولا يمكن أن يساير السياسة وحتى أصحابه هذا الجانب سواء عن قصد أو غير قصد في ظل فكر قاصر مختصرا الدين في الصلاة والذكر وحتى في مجال الدعوة كان هناك قصور واقتصار على من يتوافد على الزاوية. ولم يكن يهم المجتمع وأموره في شيء، حتى أصبح هناك تقسيم على نحو هذا إنسان عادي وهذا إنسان صوفي، هذا يريد الدنيا وهذا يريد الآخرة… إلى خطاب آخر أكثر استقلالية وأقل وصاية يجمع ما بين التربية والعلم والنظر العقلي والتحرر من قيود الماضي والتوجه نحو المستقبل.

كانت مرحلة ما بعد الاستقلال حاسمة على مستوى تجديد الخطاب الديني خصوصا في الستينات والسبعينات، حيث الحراك السياسي المغربي كان يعرف أوجه ما بين السياسيين من حزب الاستقلال الذي كان متزعم للحركة الوطنية وبقي كحزب متكثل يشكل قوة باعتباره حزب واحد يشكل عثرة أمام القصر الذي بدأ يفكر في تقسيم الحزب. وتقسيم الحزب سينتج عنه تقسيم الخطاب الديني المرتبط دائما بالخطاب السياسي. وهنا ظهر الفكر الآخر العلماني مع الاشتراكي واليساري. فتغيرت النظرة للخطاب الإسلامي بعكس ما كانت عليه مع علال الفاسي إلى نظرة ليبرالية تأخذ من الديني شيئا ومن الدنيا الكثير. وهنا ستظهر لدينا حركات أخرى منها ما هو سري وما هو ظاهر ومعلن أنداك، كحركة الشبيبة السرية التي تم إعلانها فيما بعد والتي كانت تسعى للتغلغل في المجتمع بعيدا عن ناظر الدولة، في الوقت الذي بدأ البعض حركته أمام أعين السلطان كحركة التوحيد وحركة الإصلاح اللتان ستتحدان فيما بعد، فتجدد الخطاب الديني لم يعد يدعو إلى إسقاط النظام وإنما إصلاحه إصلاحا من الداخل. إلا أن هذه الحركات كلها يبقى أصلها هو فكر الإخوان المسلمين في مصر، فقط الاختلاف كان فيما يعتمده هؤلاء من فكرة القليل من التربية والكثير من الحركة على مستوى التنظير للفكر الحركي. في ظل هذا الجو وبالضبط في السبعينات بدأ يظهر تيار وخطاب ديني آخر هو تيار الجماعة مع جماعة العدل والإحسان ومع خطاب ديني مغاير مع ما يأخذ به من أصل على مستوى التربية لدى الإخوان المسلمين لكن مع تجديد وانفتاح أكثر وبنظرة مخالفة تجاه النظام والحاكم. هذه الحركة أتت بجديد على مستوى الخطاب من خلال تفصيلات تظهر في المنهاج النبوي والإحسان وتنوير المؤمنات وغيرها من كتب تجمع ما بين خطاب الدين والسياسة والاقتصاد. كما يظهر هذا التجديد حتى في العلاقة مع الآخر خصوصا، فنجد حواري مع صديقي الأمازيغي أو حوار مع الفضلاء الديمقراطيين أو غير ذلك. كما جاء هذا الفكر منفتحا على الغرب حيث ترجمت إنتاجات الحركة إلى لغات متعددة ومن خلال توسع الحركة خارج المغرب على شكل فروع لها. والتي تركز حسب روادها لإنتاج خطاب كوني لا فقط داخل مجتمع معين.

وشكل ما يسمى بالربيع العربي امتحانا حقيقيا لهذه الحركات حيث تفاوتت وتباينت مواقفها إزاء الحراك. فمنها من استغله للاصطدام بالسلطة في حين اتجه آخرون إلى استغلاله للوصول إلى ممارسة السلطة. وهذا يدل على استمرار بقايا الانغلاق التي كانت تطبع المجال الديني.

  1. تجليات استراتيجية المغرب لتأهيل الحقل الديني وتجديده:

رغم ما ذكر من تأثر الحركات الإسلامية المغربية بأدبيات مثيلاتها بالمنطقة العربية، فهذا لا يعني عدم بلورتها لخصوصية واستثناء معين نابعين من عدة عوامل: تاريخ المغرب، وخصوصية النسق السياسي المغربي وأهمية حقل إمارة المؤمنين داخله باعتباره مصدرا لشرعية دينية وسياسية.

 1.2 خطاب المؤسسة الملكية التنويري:

لقد سبق للملك محمد السادس أن ألقى خطابا بمناسبة تنظيم المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية بالدار البيضاء بتاريخ 30 أبريل 2004، جاء فيه: “ها نحن اليوم، نشرع في إرساء وتفعيل ما سهرنا على إعداده، من استراتيجية مندمجة وشمولية، متعددة الأبعاد، ثلاثية الأركان، لتأهيل الحقل الديني وتجديده، تحصينا للمغرب من نوازع التطرف والإرهاب، وحفاظا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح”.[37]

يحدد الملك في الخطاب، الركن المؤسسي الأول والمتمثل في إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بإصدار ظهير شريف بإحداث مديرية التعليم العتيق، وأخرى مختصة بالمساجد وإعادة النظر في التشريع المتعلق بأماكن العبادات…

وبخصوص الركن المؤسسي الثاني يقول الملك ” وإدراكا من جلالتنا بأن هذا الركن المؤسسي، لا يمكن أن يستقيم إلا بتعزيزه بالركن التأطيري الفعال، فإننا قد وضعنا طابعنا الشريف على ظهائر تعيين أعضاء المجالس العلمية، في تركيبتها الجديدة مكلفين وزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنصيبها، لتقوم من خلال انتشارها عبر التراب الوطني بتدبير الشأن الديني عن قرب، وذلك بتشكيلها من علماء مشهود لهم بالإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها، والجمع بين فقه الدين والانفتاح على قضايا العصر، حاثين إياهم على الإصغاء للمواطنين، ولا سيما الشباب منهم، بما يحمي عقيدتهم وعقولهم من الضالين المضلين، حريصين على إشراك المرأة المتفقهة في هذه المجالس، إنصافا لها، ومساواة مع شقيقها الرجل، وصيانة الحقل الديني من التطاول عليه من بعض الخوارج عن الإطار المؤسسي الشرعي، فقد أسندنا إلى المجلس العلمي الأعلى اقتراح الفتوى على جلالتنا، بصفتنا أميرا للمؤمنين، ورئيسا لهذا المجلس، فيما يتعلق بالنوازل الدينية، سدا للذرائع وقطعا لدابر الفتنة والبلبلة، مؤكدين أن توسيعنا وتجديدنا للمجالس العلمية، لا يعادله إلا حرصنا على ألا تكون جزرا مهجورة من لدن العلماء غير الأعضاء بها، بل نريدها ملتقى لكل العلماء المتنورين” [38]

يتضح إذن أن المغرب استوعب أهمية التجديد في الحقل الديني وإعادة هيكلته، حيث تضمنت رؤية الدولة للإصلاح الديني مقاربة لمحاربة الإرهاب والتطرف، خصوصا بعد الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003 التي وقعت بمدينة البيضاء. فقد أعلن الملك عام 2004 عن مرتكزات ثلاث لهذه المقاربة وتشمل: “الإصلاح الديني للمؤسسات الدينية، وإنشاء قوى أمنية قادرة على مواجهة التنظيمات الإرهابية، والتنبؤ بالمخاطر الإرهابية ومعالجة دوافع التطرف والإرهاب، مثل التهميش الاقتصادي بتحقيق التنمية الاقتصادية الفاعلة”.[39]

وقد عملت الدولة المغربية في عهد الملك محمد السادس على هيكلة الحقل الديني وإصلاح الخطاب وتطويره، وذلك بالرقابة على مفردات الخطاب الديني، وضمان ابتعاده عن الخطاب المتطرف، فكان له أن وجه مؤسسة الإفتاء بعدما كانت تعيش في فوضى الفتاوى الشاذة، فأنشت بذلك “هيئة عليا للإفتاء”. وهذه المظاهر من التحديث شملت مجموعة من المؤسسات الدينية بالمغرب مثل المجلس العلمي الأعلى “… كما تولينا تجديد وإعادة تنظيم المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، وفق منظور طموح يكفل الارتقاء بالخطاب الديني إلى ما نتوخاه، بحيث يستوعب واقع الحياة المعاصرة ويحصن شبابنا من فقدان المرجعيات واستغلال الدخلاء والمتطرفين. [40]

كما تجلى ذلك من خلال تأسيس الرابطة المحمدية للعلماء حيث “وفي نفس سياق الإصلاح والتحديث، عملنا على إحداث الرابطة المحمدية للعلماء لتحل محل هيأتهم السابقة، متوخين من ذلك تعبئة كل الطاقات العلمية التي تزخر بها بلادنا، وأن تكون هيأة متكاملة ومتفاعلة، مع مكونات الصرح الديني المتجدد، الذي وضعنا قواعده.[41]

 

2.2 تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات:

لقد حرصت المؤسسة الملكية، حفاظا منها على الهوية الدينية المغربية المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح، وتحصينا لها من نزعات التطرف، على تأهيل الحقل الديني وتجديده من خلال استراتيجية يشكل تأهيل القيم الديني أحد أركانها الأساسية. وهو ما ركز عليه خطاب الملك محمد السادس إذ جاء فيه: “…وفي هذا الصدد، قررنا تدشين مرحلة جديدة من الإصلاح الديني بإطلاق خطة رائدة، هي “ميثاق العلماء”، باعتبارها برنامجا نموذجيا للتوعية والتنوير، يقوم على حسن أدائكم لأمانة الإرشاد والتفقيه في الدين عن قرب، وهو ما يقتضي من العلماء الانكباب على تأهيل أئمة المساجد، فضلا عن الانتشار في البوادي والمدن، لتوعية عامة الناس وتوجيههم ومحاربة وتفنيد أضاليل التطرف”.[42]

فبعد إصدار مرسوم ملكي عام 2014 يقضي بأن الأئمة والخطباء في المساجد يحظر عليهم تبني المواقف السياسية الخاصة بالأحزاب والجماعات السياسية في البلاد. وبعد ما عرفه التعليم العتيق بالمغرب من تطور واسع مبتعدا عن الأساليب الكلاسيكية في التعليم الديني، حيث بات الطالب الدارس للعلوم الشرعية يتلقى قسطا من اللغات الأجنبية والانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية. أقبل المغرب على تكثيف إعداد وتأهيل القيمين على الشأن الديني من أئمة ومرشدين بتأسيس “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” سنة 2015، الذي أنيطت به مهمة التكوين في مجال الإمامة والإرشاد للمغاربة والأجانب، وتنظيم دورات للتكوين المستمر وأطوار دراسية وندوات وتداريب لاستكمال خبرة الأئمة والمرشدين وإنجاز أبحاث علمية ودراسات.

بلغ عدد الطلبة الإجمالي بالمعهد 961 طالب برسم سنة 2016. ويشكل الطلبة المغاربة نسبة %26 من العدد الإجمالي للطلبة بالمعهد، بينما تتوزع باقي النسبة (%74) كما هو موضح في الرسم البياني التالي:[43]

وتظهر هذه الأرقام مدى انفتاح المركز وإقبال الأجانب على التوافد عليه، فقد زار العديد من الوفود معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، من بينها وفد هندي برئاسة نائب رئيس الجمهورية محمد حامد الأنصاري ماي 2016، ووفد آخر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أبريل 2016، فضلا عن تكوين 500 إمام من دولة مالي التي تشهد تقتيلا وعنفا كبيرين بين مجموعة من الفصائل والحركات، إضافة إلى استفادة بعض الدول الأخرى كليبيا، تونس، غينيا كوناكري، ساحل العاج، نيجيريا والسينغال. كما وقع المغرب اتفاقية ثنائية مع روسيا الاتحادية تقضي بإرسال أئمة مغاربة إلى روسيا وإعداد أئمة روس في المغرب، وهذا كله يندرج في إطار الانفتاح على التجربة المغربية. وفي نفس السياق اختتمت مدينة فرانكفورت الألمانية يوم الثلاثاء 16 شتنبر 2017 مسار سنتين من مشروع التكوين والتأهيل اللغوي لأئمة مغاربة وأجانب بولاية هيسن الألمانية برسم الموسم 2015–2017، بعدما نظم مجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج بشراكة مع معهد غوتة الألماني والمجلس الأوربي للعلماء المغاربة.

هكذا يكون المغرب قد نهج منهجا إصلاحيا واتبع استراتيجية مركبة قصد كبح الفكر المتطرف والمتشدد، وبخاصة بعد الحراك الذي شهدته المنطقة العربية، وكذا ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وارتباط مجموعة من الشباب بهذه التنظيمات، ما يبرر نجاعة استراتيجيته الاستباقية في مجال محاربة الإرهاب.

3.2 إعلان مراكش التاريخي نموذجا:

لقد أكد إعلان مراكش التاريخي لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، الذي تلاه السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوم الأربعاء 16 ربيع الآخر 1437(27 يناير 2016) على ضرورة تأسيس تيار مجتمعي عريض لإنصاف الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها، وتهيئ التربة الفكرية والثقافية والتربوية والإعلامية الحاضنة لهذا التيار، وعدم توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية.

وهذا من نصت عليه رسالة جلالة الملك الموجهة للمشاركين في المؤتمر، حيث قال: “إننا في المملكة المغربية لا نرى مبررا لهضم أي حق من حقوق الأقليات الدينية، ولا نقبل أن يقع ذلك باسم الإسلام، ولا نرضاه لأحد من المسلمين. ونحن، في اقتناعنا هذا، إنما نستلهم الفهم الصحيح لمبادئ الدين كما نستلهم تراثنا الحضاري وتاريخ هذه المملكة العريقة في التعامل النبيل بين المسلمين وبين غيرهم من أتباع الديانات”. [44]

وقد دعا الإعلان الذي اعتبر ” صحيفة المدينة” الأساس المرجعي المبدئي لضمان حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي- دعا المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية للقيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي لأخلاق الثقافة المأزومة، التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن.

وقال جلالة الملك بهذا الصدد في رسالته: “إن عالمنا اليوم في حاجة إلى قيم الدين لأنها تتضمن الفضائل التي نلتزم بها أمام خالقنا رب العالمين والتي تقوي فينا قيم التسامح والمحبة والتعاون الإنساني على البر والتقوى. إننا نحتاج إلى هذه القيم المشتركة، لا في سماحتها وحسب، بل في استمداد طاقتها من أجل البناء المتجدد للإنسان وقدرتها على التعبئة من أجل حياة خالية من الحروب والجشع، ومن نزعات التطرف والحقد، حيث تتضاءل فيها آلام البشرية وأزماتها تمهيدا للقضاء على مخاوف الصراع بين الأديان”.[45]

كما دعا المؤتمرون إلى ضرورة تأصيل مبدأ مواطنة يستوعب مختلف الانتمـاءات، بالفهم الصحيح والتقويم السليم للموروث الفقهي والممارسات التاريخية وباستيعاب المتغيرات التي حدثت في العالم. وتم التأكيد في الختام على أنه لا يجوز توظيف الدين في تبرير أي نيل من حقوق الأقليات الدينية في البلدان الإسلامية، ليبقى هذا الإعلان تجسيدا حقيقيا لمظاهر التنوير الديني بالمغرب.

  1. دور الإعلام والنشاط الثقافي في التنوير الديني:

1.3 الإعلام الديني:

عرف الإعلام الديني بالمغرب تطورا كبيرا انعكس على أفهام الناس وسلوكهم التديني بتعدد قنواته وانفتاحه على العالم من حوله. فبعدما كان جل الإعلام الديني يقتصر على المجلات المتخصصة التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مثل ” دعوة الحق” و”سبيل الرشاد”، أو بعض الملحقات الدينية في بعض الجرائد المغربية؛ مثل جريدة “العلم” فتعزز ببروز صحافة متخصصة؛ أو مهتمة بالشؤون الدينية، وتقديم معالجات لقضايا المعاصرة من زاوية إعادة الاعتبار للمرجعية الإسلامية، مثل مجلة ”النور”، مجلة ”الفرقان”، جريدة ”الإصلاح”، التي ستأخذ اسم “الراية”، ثم جريدتي “السبيل” و”الصحوة”، و فيما بعد ”التجديد”، التي تطورت من رحم هذا الإعلام، بهدف الاندماج في دائرة الإعلام الوطني العام، هذا بالإضافة إلى ما يأتي من الشرق كجريدة ”المسلمون” أو ”اللواء الإسلامي”، و فيما بعد مجلة ”الأمة” و مجلة ”الوعي الإسلامي”، التي رافقتا الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي.

وعلى مستوى السمعي البصري، فقد كان مقتصرا على برامج وعظية مناسباتية في رمضان والأعياد الدينية، أو ذكرى المولد النبوي… سواء في القناة الأولى أو الثانية فيما بعد. وبالنسبة للبرامج الدينية المسموعة؛ فقد كانت في بعض الأحيان تخرج عن المألوف، حيث كانت تستضيف علماء من بلدان أخرى كان لهم صيت في ميدان الفكر، بالإضافة إلى حصص القرآن الكريم والتفسير؛ وإن كان ذلك مقرونا برمضان، هو ”الدروس الحسنية”، التي كانت تستضيف علماء مغاربة ومشارقة؛ كان لهم الفضل في تنوير الرأي العام والخروج به من المألوف.

هذا، قبل أن يعرف الإسلامي تحولا جذريا على مستوى الإعلام والتواصل وثورة رقمية لمواكبة أحداث استجدت في المنطقة، فكان أن تأثر المغرب بمجموعة من القنوات التي اخترقت المشهد الإعلامي المغربي، فكان لابد من التفكير في إعلام ديني مغربي، خصوصا بعد أحداث 16 ماي الدامية، من هنا تما إنشاء قناة السادسة، أو قبلها إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم.

هذا التطور في الإعلام الديني نعكس على البرامج الدينية في القنوات المغربية، فنجد برنامج ” في ظلال الإسلام” و “الكراسي العلمية” و “الإسلام قضايا” و “حيا الله الشباب” وسلسلة “الرواد”… وغيرها من البرامج الكثيرة التي أصبحت يخصص لها حيز زمني وحصة أكبر من السابق.

من جهة أخرى، فالإصدارات الإعلامية الدينية هي الأخرى تواكب هذا التطور، خصوصا فيما يخص القضايا الاجتماعية والفكرية ومسائل التنزيل على الواقع، مثل مجلة ” الإحياء”، التي تصدر عن الرابطة المحمدية، ومجلة ”الفرقان” و”النور” و ”السبيل” و”المحجة” وأخيرا ”مدارك”، وصحيفة “آخر ساعة” وغيرها كثير. وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال المواقع الدينية، التي تحاول أن تواكب التطورات الحاصلة في هذا الميدان، ونخص بالذكر هنا موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الذي ينظم لقاءات وحوارات مفتوحة مع الشباب، ومناقشة اهتماماته في الأمور الدينية والدنيوية، مع التطرق إلى قضايا الأسرة والمجتمع، بالإضافة إلى موقع الرابطة المحمدية.

2.3 النشاط الثقافي:

تعرف الساحة الثقافية المغربية من مراكز بحثية لها إنتاجاتها وإسهاماتها في المجال ونذكر على سبيل المثال لا الحصر كالمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، ومركز الدراسات والبحوث حول قضايا النساء في الإسلام، ومركز الأقصى للدراسات والأبحاث، ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، ومركز الميزان، وغيرها كثير من المراكز التي تصدر عنها تقارير حول الحالة الدينية بالمغرب بشكل سنوي، كما لها إنتاجاتها الثقافية عبر مجلات تهتم بالشأن الديني بالمغرب كمجلة “أفكار”.

في تقرير 2013 – 2015 لمجلة الإحصاءات الثقافية الصادرة عن وزارة الثقافة في عددها الثاني نجد كيف تطورت البنيات الثقافية المغربية في هذه الفترة بشكل كبير كما هو مبين في الجدول أسفله:

جدول 9: البنيات الثقافية

البنيات الثقافية قبل 2013 2013 2014 2015 المجموع
المراكز الثقافية 59 2 5 4 70
الفضاءات الثقافية

مكتبات

مسارح

أروقة العروض

معاهد موسيقية

589

288

68

181

52

26

22

2

2

0

29

18

5

5

1

11

4

3

4

0

655

332

78

192

53

المجموع 648 28 34 15 725

 

  • المعرض الدولي للكتاب نموذجا:

يعتبر معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب أحد أكبر المهرجانات الثقافية للكتاب التي تشهدها المملكة المغربية على المستوى الوطني والدولي. حيث يقام كل عام منذ 1994لمدة عشر أيام بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء تحت إشراف وتنظيم المندوبية العامة للمعارض بالتشارك مع وزارة الثقافة بالمملكة المغربية برعاية الملك محمد السادس، مما يجعله من أهم الملتقيات الثقافية للالتقاء بكافة الفعاليات الاجتماعية و الثقافية بمختلف توجهاتها الفكرية والأدبية من مؤلفين ورسامين وناشرين وفنانين إضافة إلى جمهور المعرض الكبير.

  • النشر والترجمة والتأليف بالمغرب:

إن الناظر في الإنتاج الثقافي المغربي، يظهر له بوضوح أنه خلال نصف ثرن من الاستقلال تم تطور النشر على مرحلتين: المرحلة الأولى تبدأ من سنة 1955 إلى أواسط الثمانينات، وتتميز بإنتاج ضعيف. أما المرحلة الثانية فتبدأ من 1985 إلى 2003 وتمتاز بانبعاث نسبي لنشاط النشر، مع إثارة هذا المعطى ذو الدلالة؛ انطلاقا من سنة 2000 شرع المغرب في نشر مختلف الإبداعات في سنة واحدة وهو ما يعادل ما نشر خلال ربع قرن أي 1400 عنوان.

جدول10: الإنتاج المغربي للكتب الثقافية فترة 1955 – 2003:

الفترة عدد العناوين بالعربية عدد العناوين بالأمازيغية عدد العناوين باللغات الأوربية المجموع
64-1955 203 ——- 216 419
74- 1965 409 ——- 436 845
84- 1975 1280 02 567 1849
1985 3069 14 1271 4354
1995-2003 6220 36 1790 8046
المجموع 11181 52 4280 15513

المصدر بنك المعطيات لمؤسسة الملك عبد العزيز

ويتبين من خلال الجدول أن فترة 1955 – 1984 كانت فترة عجاف في مجال النشر بالمغرب، قبل أن تعرف تطورا أواسط الثمانينات، وبالفعل فخلال العشرية (94-85) تضاعف المعدل السنوي بالمقارنة مع العشرية السابقة.

ويجب أن نسجل كذلك أن الظهور المحتشم للكتاب الأمازيغي سيتم تجاوزه مع تأكيد الثقافة الأمازيغية. والتي ستعرف المزيد من النمو مع عمل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والتعليم التدريجي لتدريس اللغة الأمازيغية.

إضافة إلى التحولات السوسيوثقافية التي تشهدها البلاد من الثمانينات (تمدن، انتقال ديمغرافي، تعدد الجامعات، وزيادة الساكنة الطلابية مع ما ينتج عن ذلك من شواهد عليا) فإن عدد دور الطبع انتقل إلى 300 وحد، في حين أن عدد دور النشر بلغ 90 وحدة، أما شبكة محترفي النشر فقد غادرت المحور التقليدي البيضاء/الرباط في اتجاه المدن الكبرى للبلاد (طنجة، مراكش، فاس، وجدة، أكادير…) أما المطبوعات الدورية (مجلات وجرائد) فقد وصلت سنة 1997 رقم 581 عنوان (409 بالعربية و172 بالفرنسية).

ولمواكبة هذا التطور رأت النور جمعية المؤلفين المغاربة للنشر سنة 1983، حيث عملت على نشر مجلة الكتاب المغربي. وكانت هذه المجلة وراء العديد من المبادرات في مجال النشر والترجمة أبرزها على المستوى العلمي وبلا شك معلمة المغرب وهي موسوعة عامة ذات أهمية ثقافية في البلاد.

كما أن جودة التراجم العربية المنجزة بالمغرب والصورة الجيدة التي اكتسبها بعض المثقفين المغاربة ( العروي، الجابري، طه عبد الرحمن، مفتاح كليطو، الطاهر بن جلون، عبد اللطيف اللعبي وآخرون) ساهم في إغناء المكتبة المغربية.

وإذا ما نظرنا في الإنتاج الثقافي الديني وجدنا من يميز بين الكتاب الديني الكلاسيكي وتمثله بصفة عامة الطبعات المتعددة للقرآن ومجمعات الأحاديث وكتب السيرة ونصوص التراث الإسلامي. هذا المنتوج الإصداري المعروف بتجديده الفاخر وبعناوينه ذات الحروف المذهبة. ظهر أواخر القرن 14 توزعه بشكل دائم مكتبات مجتمعة بحي الأحباس بالدار البيضاء بعد استيرادها له من الشرق الأوسط.

أما عن النصوص الدينية المحلية فهي عموما في التراث المغاربي الأندلسي (الفقه، الدراسات، أو المقالات الصوفية، والسيرة…) وباستثناء وزارة الأوقاف وناشرين من الخواص هما دار الفرقان القريبة من جماعة الإصلاح والتوحيد، ومنشورات جماعة العدل والإحسان (عبد السلام ياسين). ونجد كذلك الكتاب الإسلامي كظاهرة حديثة العهد وهو عبارة عن نصوص قصيرة محررة من طرف داعيات أو مبشرين بأسلوب يحاكي خطب مسجلة على أشرطة، برامج تلفزية وخطب المساجد… هذه الفئة من الكتب رخيصة الثمن ويتم استيرادها باستثناء نصوص قليلة لداعيات سلفية مغربية. وقد كان معرض الكتاب بالبيضاء على حدود أحداث 16 ماي 2003 مناسبة لولوج هذه الكتب إلى المغرب بكميات كبيرة جدا. وقد يعود ندرة الكتاب الديني في فترة من الفترات كذلك إلى استعمال الأشرطة المسموعة والمرئية في التكوين والتثقيف الديني لشبيبة المغربية.

ونعرض فيما يلي معطى لوزارة الثقافة حول الكتب المفهرس المنشورة في الفترة ما بين 2013 و2015:

جدول 11: توزيع الكتب المفهرسة حسب اللغة من 2013 إلى 2015

اللغة 2013 2014 2015
العربية 1213 1480 1571
الأمازيغية 19 28 42
الأجنبية 335 481 332
المجموع 1567 1989 1945

المصدر: المكتبة الوطنية للملكة المغربية

ولنا أن نتوقف عند حضور الكتاب الديني في المكتبة المغربية من خلال الجدول أسفله:

جدول12: توزيع الكتب المفهرسة التي حصلت على الإيداع القانوني حسب المواضيع من 2013 إلى 2015

المواضيع 2013 2014 2015
الثقافة العامة 17 24 20
الفلسفة وعلم النفس 48 67 58
الأديان 168 264 288
علم الاجتماع 432 484 520
العلوم البحثية 18 25 24
العلوم التطبيقية 39 48 29
الفنون الجميلة 67 79 56
اللسانيات: اللغات 57 47 56
الآداب 552 771 720
الجغرافية، التاريخ، الترجمات 169 180 174
المجموع 1567 1989 1945

المصدر: المكتبة الوطنية للملكة المغربية

وبلغت حصيلة المنشورات المغربية سنة 2016 حسب تقرير لمؤسسة “الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية” في الدار البيضاء، ما قدره 3304 وثيقة (2807 كتب و497 من المجلات الأكاديمية والثقافية).

وتأتي المؤلفات القانونية في المرتبة الثانية بنسبة %13.69 متبوعة بالدراسات الإسلامية بنسبة %10 إلى جانب الدراسات الاجتماعية بنسبة %10 والمؤلفات التاريخية بنسبة %9.64 متبوعة بالدراسات الأدبية بنسبة %8.3 والكتابات السياسية %.6.

وأكد التقرير حصول زيادة في التأليف في الدراسات الإسلامية، وذلك نتيجة التطور الملحوظ في طباعة الكتب الدينية على نفقة المؤلف، فضلا عن مساهمة ناشرين رسميين كوزارة الأوقاف والرابطة المحمدية للعلماء (مؤسسة رسمية للعلماء المغاربة) وناشرين خواص أيضا.

جدول 13: كتب مختارة؛ محاولة لفهم التنوير الديني بالمغرب

الكتاب الكاتب
العمل الديني وتجديد العقل طه عبد الرحمن
مراجعات الإسلاميين بلال التليدي
الدراسات القرآنية بالمغرب إبراهيم الوافي
مرتكزات الإصلاح الديني عبد العزيز راجل
الجهل المركب عياد أبلال
نحو بناء مدخل منهجي نقدي لتحقيق النص التراثي عبد الله الرشدي
منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم صابر مولاي أحمد
ناقصات عقل ودين بين مدلول النص واستنباطات الفقهاء وأهمية السياق نادية الشرقاوي
روح الحداثة طه عبد الرحمن
الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري
تجديد المنهج في تقويم التراث
الحوار أفقا للفكر
سؤال المنهج في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد
نحن والتراث محمد عابد الجابري
بنية العقل العربي
نظرية التقريب والتغليب أحمد الريسوني
علال الفاسي عالما ومفكرا
الأمة هي الأصل
مدخل إلى مقاصد الشريعة
فقه الثورة
تعليم الفتيات لا سفور المرأة محمد بن لحسن الحجوي
الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي
القرآن فوق كل شيء
النقد الذاتي علال الفاسي
مقاصد الشريعة الإسلامية ومقاصدها

قراءة تركيبية:

لم يكن باستطاعة هذا التقرير أن يلم بكل التحولات التي عرفها المجال الديني بالمغرب، والتي من شأنها أن تساهم في إرساء دعائم فكر ديني متنور، وإنما كان اختصارا لتحولات عرفها هذا الحقل من مرحلة بناء حقل ديني مغلق كمرحلة أولى، تقوم على تكريس الأحادية الدينية للمغرب، وتحديد هوية دينية للمغاربة قائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، وهي مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ومرحلة بناء حقل ديني شبه مغلق، وذلك منذ ثورة الخميني في إيران في 1979؛ حيث تم بداية الاستعانة بخدمات السلفية الوهابية لمواجهة تنامي المد الشيعي. ولاحقا، وتحديدا عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 بالولايات المتحدة، تم الاستعانة بشركاء دينيين آخرين، خاصة حركة التوحيد والإصلاح المغربية التي توصف بأنها الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، قائد الحكومة المغربية لولايتين.

أما عن مرحلة بناء حقل ديني منفتح، وهي ما يهمنا أكثر، فانطلقت منذ سنة 2011 مع ثورات الربيع العربي، واحتجاجات 20 فبراير بالمغرب، وهي المرحلة التي تضمنت اعتماد دستور جديد ينص على حرية المعتقد، وإحداث تحول كبير في الفتاوى الرسمية للمجلس العلمي الأعلى في قضايا مثل حد الردة. كما انفتحت السلطة السياسية المغربية، خلال هذه الفترة على من كانت تعتبرهم مخالفين من داخل الثقافة الإسلامية أو من خارجها، وخاصة رموز السلفية أو السماح للشيعة المغاربة بممارسة طقوسهم، أو السماح بظهور تنسيقية للمسيحين المغاربة. ولعل مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية المنعقد بالمغرب، وإعلان مراكش الذي كان من بين مخرجاته، أكبر تجل لمظاهر التنوير الديني بالمغرب.

 

   

على سبيل الختام:

إن التنوير الديني وإن كان مطلبا عزيزا ومطمحا مجتمعيا في مجتمع من المجتمعات، لا يمكنه أن يستمر ويؤتي أكله إذا استمر الإصلاح بعنوان سياسي، إذ يهم الإصلاح بالدرجة الأولى ما فسد من بنيات الفكر من خلال قراءات نقدية جادة.

ولابد للتنوير الديني أن يأخذ بعين الاعتبار شمولية الظاهرة الدينية ويأخذ بالحسبان عموميتها، فلا هي بالفكر والدين وحده، ولا هي بالاقتصاد دون السياسة والاجتماع. فقد لا ننظر للتنوير فقط باعتباره قدرا فكريا محتوما، وإنما ننظر إليه كسيرورة متفاعلة مع السياق الاجتماعي العام، تبرز دواعيه وتجلياته كما قد يخبو تبعا لشروط إنتاجه الأولى، أي العوامل الكامنة وراءه. وهذا ما حاولنا الوقوف عنده بربط التنوير الديني بسياقات تاريخية وأحداث سياسية وتحولات قيمية ودينية وعوامل اقتصادية. كما لابد من توفير أرضية مؤسساتية سليمة للتعامل مع تعدد المرجعيات القيمية التي تخترق المجتمع المغربي. وكذا تكوين أطر بشراكة مع مؤسسات مدنية وجامعات ومراكز بحث والاعتماد على الأطر الدينية بعد تكوينهم في العلوم الاجتماعية ومهارات الواصل لمخاطبة الناس اعتمادا على مقاربات واقعية مستنبطة من ظروف وملابسات الحياة المعاشة للتحذير من المقاربات المنحرفة. بالإضافة إلى العمل على تقوية اتجاهات الشباب الإيجابية نحو التفكير النقدي، التعايش والتسامح من خلال البرامج التعليمية، الإعلام، المجتمع المدني. كما يلزم العمل على مستوى المدرسة المغربية على إعادة تشذيب البرامج التعليمية في اتجاه تكثيف حمولة الفكر النقدي والرفع من وتيرة ولوج المرأة للتعليم لتعزيز البنيات الذهنية المقاومة للسلوك المنحرف وبالخصوص داخل فئات الشباب. كما يجب العمل على ترسيخ ثقافة الاختلاف والحوار في البرامج التعليمية واحترام الحياة الإنسانية.[46]

 

[1] – على سبيل المثال لا الحصر؛ التقارير الصادرة عن “مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث”، وكذلك التقارير الصادرة عن “المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة”.

[2] – عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاص، المركز الثقافي العربي، ط2، 1999، ص 43

[3] – مجلة أفكار، الإصلاح الديني في السياق الإسلامي. عدد دجنبر 2017. ص 22- 23.

[4] – نفس المرجع السابق.

[5] – نفس المرجع السابق. ص 21.

[6] – منير شفيق، الفكر الإسلامي المعاصر. ص 27.

[7] – نفس المرجع، ص 28

[8] – علال الفاسي، النقد الذاتي. منشورات دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع. بيروت. ص 27.

[9] – نفس المرجع السابق. ص 33.

[10] – نفس المرجع السابق. ص 46.

 

[11] – نفس المرجع السابق. ص 63.

– [12] محمد عابد الجابري وحسن حنفي وفيصل جلول، حوار المشرق والمغرب: نصوص إضافية، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، 2009، ص 67.

[13] – محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص 572.

[14] – محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ج 1، ص 23.

[15] نفس المرجع، ص 19.

[16] – محمد عابد الجابري، نفس المرجع السابق، ص 429.

[17] – طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق – مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، الدار البيضاء، المغرب، 2009، ص 30.

[18] – طه عبد الرحمن: اليقظة الفلسفية المغربية ودرء آفة التقليد، ص 182.

[19] – نفس المرجع السابق، ص 184.

[20] – نفس المرجع السابق

[21]  مجلة أفكار، عدد أبريل 2017، ص  135.

[22] – موقع الميزان https://almizane.com/10368.html

[23] – إبراهيم الوافي، الدراسات القرآنية بالمغرب في القرن الرابع عشر الهجري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2009. ص 21.

[24] – إبراهيم الوافي، نفس المرجع، ص  185.

[25] – محمد الكموش، الدين والسياسة في المغرب، أفريقيا الشرق 2013، ص 61.

[26] – الجريدة الرسمية. عدد 5418 – 6 ربيع الآخر 1427 ( 2 ماي 2006).

[27]– موقع الرابطة الالكتروني http://www.arrabita.ma

[28] – إبراهيم الوافي، نفس المرجع، ص 36.

[29] – مقتطف من خطاب أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي ألقاه يوم 30ابريل 2004 أمام المجلس العلمي الأعلى والمجالس الإقليمية العلمية.

[30] – إبراهيم الوافي، الدراسات القرآنية بالمغرب في القرن الرابع عشر الهجري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،, الطبعة الثانية 2009. ص 38.

[31] – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إحصائيات مؤسسات التعليم العتيق الموسم 2017/2016. دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الرباط. 2017.

[32] – https://www.aljabriabed.net/n07_03aarab.htm

[33]  موقع لحسن اللحية التربوي https://www.hassanlahia.com/2016/06/blog-post_80.html

[34]– مديرية الدراسات الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط، قسم الدراسات والإحصاء https://www.men.gov.ma

[35]مقتطف خطاب ملكي بمناسبة عيد العرش سنة 2015.

 

[36] – منبر الحرية، ما يقوله 16 سوسيولوجيا مغربيا في : الحركات الإسلامية كفاعل اجتماعي – التفاوت الاجتماعي – تحولات القيم، مشتل أفكار الإصلاح، دجنبر 2015، ص 5.

[37] – خطاب الملك محمد السادس بمناسبة تنظيم المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية بالدار البيضاء بتاريخ 30 أبريل 2004.

[38] – محمد الكموش، الدين والسياسة في المغرب، أفريقيا الشرق 2013، ص 61

[39] – موقع المرجع راسات وأبحاث استشرافية حول الإسلام الحركي www.almarjie-paris.com

[40] – مقتطف نص الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس خلال ترؤسه للمجلس العلمي الأعلى 27 شتنبر 2008.

[41] – نفس المرجع.

[42]– مقتطف نص الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس خلال ترؤسه للمجلس العلمي الأعلى 27 شتنبر 2008.

 

[43] – موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية http://www.habous.gov.ma

[44] – مقتطف رسالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في أشغال المؤتمر حول “حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، 25 يناير 2016.

[45] – نفس المرجع.

[46] – منبر الحرية، مشتل أفكار الإصلاح، ص 7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تويتر
فيسبوك
فعاليات قادمة
سبتمبر

أكتوبر 2018

نوفمبر
سب
اح
اث
ثل
ار
خ
ج
29
30
1
2
3
4
5
فعاليات في أكتوبر

1

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

2

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

3

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

4

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

5

لا يوجد فعاليات
6
7
8
9
10
11
12
فعاليات في أكتوبر

6

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

7

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

8

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

9

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

10

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

11

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

12

لا يوجد فعاليات
13
14
15
16
17
18
19
فعاليات في أكتوبر

13

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

14

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

15

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

16

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

17

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

18

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

19

لا يوجد فعاليات
20
21
22
23
24
25
26
فعاليات في أكتوبر

20

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

21

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

22

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

23

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

24

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

25

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

26

لا يوجد فعاليات
27
28
29
30
31
1
2
فعاليات في أكتوبر

27

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

28

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

29

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

30

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

31

لا يوجد فعاليات