تقرير الاجتماع السنوي الثالث للرابطة العربية للتربويين التنويريين في الرباط

 ” نحو قراءة تنويرية للدين” كانت هذه العبارة هي شعار الاجتماع السنوي الثالث للرابطة العربية للتربويين التنويريين المنظم برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الخامس الرباط – المغرب، وذلك يومي 2 – 3 سبتمبر 2018. ويأتي اختيار الرباط تتويجا لجهود المغرب المبذولة في مجال التنوير الديني، فاختيرت عاصمة للتنوير لعام 2018.

في كلمة هي الأولى بعد افتتاح مسير الاجتماع الأستاذ مولاي محمد اسماعيلي لفعاليات اللقاء بكلمات ترحيبية وتقديم لبرنامج الفعالية، أعرب السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط هو الآخر عن ترحيبه بضيوف المملكة المغربية وعاصمة التنوير الرباط، محدثا برمزيتها كمدينة الأنوار العريقة، واقفا على ما يزخر به المغرب من رموز تنويرية ومذكرا بإسهامات فلاسفة التنوير من داخل الجامعة المغربية في تأصيل قيم الاختلاف والحوار والتعددية الثقافية والتسامح الديني، مشيرا لكل من المفكر محمد عابد الجابري صاحب أضخم مشروع تنويري في الفكر الإسلامي، بالإضافة إلى المؤرخ والفيلسوف عبد الله العروي مؤسس فلسفة الأنوار دون أن يغفل عن فيلسوف المنطق والعقل طه عبد الرحمن، والعلامة الأستاذ محمد بن البشير الحسني مؤسس شعبة الدراسات الإسلامية على ضوء تكامل العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها من الأسماء. ليؤكد السيد العميد في كلمته على دور المؤسسة الملكية كإطار ناظم لفلسفة التنوير القائمة على التنوع الديني والاختلاف الحضاري والتعدد الثقافي وهو ما يحصن المغرب من نوازع التطرف والتكفير.

وأكد رئيس مجلس أمناء الرابطة الدكتور محبوب عبد السلام على أن اختيار المغرب والرباط عاصمة للتنوير جاء تتويجا لجهوده المبذولة كإنتاجات فكرية وقامات علمية مغربية، مشيرا إلى أن مشروع الرابطة الفريد من نوعه يأتي في لحظة غير تنويرية بالعالم العربي الذي تتقاسمه نوازع وأهواء مختلفة، إيمانا من الرابطة بأن القراءة التنويرية للدين، إنما هي مضي نحو مقاصد عليا من كرامة الإنسان واحترام رأيه واختلافه في ظل تيارات ظلامية عمقت المأساة في العالم العربي، ويبقى جهد الرابطة وإسهامها فكريا وعلميا وكذلك عمليا وتنسيقيا.

أما كلمة الدكتور مصطفى حدية مدير مركز الدراسات والأبحاث والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس، فقد ركزت على إبراز توجه المركز التنويري والحداثي مثمنا ومشيدا بعمل الرابطة ورسالتها باعتبارها فضاء ومنصة مستقلة تهدف إلى دعم المؤسسات والمشاريع الفاعلة في مجال التنوير والتجديد الديني، وبالأخص القراءة التنويرية للدين في المنطقة العربية، مؤكدا أن أهداف المركز تلتقي مع أهداف الرابطة في عمقها بما يوفر إمكانية صياغة ونشر الخطاب التنويري وتحويله إلى ثقافة عامة.

الجلسة الأولى: القراءة التنويرية للدين.. بين المنهج والنتائج

في مقدمة الجلسة أشار الدكتور محرز الدريسي من تونس إلى أهمية القراءة التنويرية للدين في عصر تعرف فيه المنطقة العربية ثقافة مرتدة للوراء، وتراجعا كبيرا على مستوى قيم التسامح والاختلاف وقبول الآخر وغيرها من القيم، لافتا أن هذه فرصة للرابطة والباحثين للخوض في موضوع التنوير الذي يثير جدلا واسعا في المنطقة وهو من الملفات المفتوحة على أكثر من صعيد.  متسائلا حول من يقوم بالتنوير من أفراد ومؤسسات، وأي تنوير يسبق السياسي أو الديني، أم ينطلقان بالتوازي، ثم أشار في الأخير إلى سؤال التنوير في علاقته بالتراث وكيفية قراءته والتعامل معه، وما إذا كنا سنفكر بالتراث أم في التراث؟

في مداخلة هي الأولى سلط محمد بلبشير الحسني من المغرب الضوء على تطور الدراسات الإسلامية في الجامعة المغربية، بكونها تهدف إلى إخراج هذا التخصص من عزلته بإنزالها إلى واقع المسيرة العلمية والفكرية والحضارية ومواصلة الإنتاج الفكري في هذا المجال بما يفتح أفقا للتجديد والتحديث والإبداع، والانخراط في العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية التي تنعكس نتائجها على مجال الدراسات الدينية… مشيرا إلى بعض الأنشطة العلمية التنويرية المنجزة في هذا الصدد، وإلى توجهات المغرب العلمية من أجل مجتمع المعرفة المبني على دعوة القرآن إلى التعارف بين الشعوب.

وأكد رئيس مجلس أمناء الرابطة الدكتور المحبوب عبد السلام من السودان أن الموضوع الخاص بالقراءة التنويرية للدين إلى مدخل خاص ويحتاج إلى تحديد المصطلح، كما دور المتدخلين التربويين في هذا المجال. فقبلا كانت الحركات الإسلامية تستعمل كلمات مثل الإحياء والصحوة واستعمل محمد إقبال إعادة بناء الفكر الإسلامي أو تجديده. بدعوة منه إلى تجديد المناهج مسلطا الضوء على دلالة الإصلاح والتجديد عند بعض المفكرين من الأفغاني، ومحمد عبده وحسن البنا ومالك بن النبي واحمد أمين وطه حسين ومحمد أركون والجابري مركزا على أن البحث في بنية العقل الإسلامي والدراسات القرآنية ما زال محتشما على حد تعبير الجابري ويجب التركيز عليه في ظل المستجدات الحاضرة وغايتها الجوهرية. ليختم الدكتور مداخلته بالتأكيد على أنه ليس المهم هو وفرة وتراكم الإنتاج والدراسات، بل الأهم هو الحوار بين هذه الإنتاجات.

وفي السياق نفسه تحدث الدكتور رحيل الغرايبة من الأردن في ظل ما تشهده المنطقة من فوضى عارمة يستغل فيها الدين في عملية الهدم لا في عملية البناء، أصبحت تثار لدينا كثير من الأسئلة حول دور الدين الحقيقي وفهمه في إعادة البناء وتصحيح التصورات، حتى يكون لنا دور في البناء المعرفي والمجهود الحضاري العالمي، لهذا يأتي دور الرابطة بوصفه مظلة للتربويين والعلماء والمؤسسات المختلفة لإعادة الحوار بيننا وتجديد الصلة بالعالم والإنجاز الحضاري والمادي. فالمسؤولية العظمى مام كل صاحب فكر وصاحب موقع مسؤول لإنارة الطريق أمام الجيل القادم. ويرى الدكتور أن الوصول إلى فهم واحد وموحد ضرب من المستحيل، لكن من الضروري أن نتفق على القواعد والأسس والأصول والمقاربات.

وأكد على محورية الإنسان في الخطاب القرآني، وأنه كتاب للبشرية والناس وليس كتابا مخصصا لفئة أو طائفة معينة، وإنما هو خطاب “يا أيها الناس” للتعارف لا للتقاتل والمفاخرة والتمييز والتفرقة، فهو خطاب “ذكر للعالمين”. وأشار إلى غموض مفهوم أنسنة الدين فالمقصود ليس أن يكون الدين من صنع الإنسان، وإنما أن يكون الدين مفهوما لدى الإنسان، يخاطب الإنسان، ويخاطب عقل الإنسان، أي فهم إنساني للدين. ويبقى خطاب العقل ضرورة لفهم الدين، فلا وجود للدين بلا عقل، وتصبح فائدة النص منعدمة بدون عقل. وبالتالي يجب إزالة التناقض بين العقل والنص. كما يركز المنطلق الثالث على فهم الدين في طور وظيفة الإنسان، والغاية التي وجد من أجلها ومهمته الاستخلافية. بالإضافة إلى منطلق البناء المعرفي الدائم والمتجدد المتعرض للإضافة والتطوير والامتداد والخطأ. ويسهم فيه كل العقل البشري على اختلاف الانتماء والخلفيات. وذلك من منطلق التعارف والتعاون.

وأكد كذلك على أن الحرية تسبق الدين والحرية تسبق السلطة؛ تسبق الدين بمعنى أنه لن تستطيع أن تحدثه بالدين إذا لم يكن حرا، أي أنه يجب ان نزيل الضغط والقهر أولا عن الإنسان حتى يكون الحوار معه مجديا وصحيحا، ولذلك مهمة الإسلام الأولى أن يكون الناس أحرارا غير مقهورين لا من الطغاة ولا من الاستبداد حتى يكونوا قادرين على تلقي الدين وفهمه.. ومن يرفض فهو أيضا حر وليست مهمة الإنسان أن يكره الناس في الدين والآية واضحة ” لا إكراه في الدين “. ولا يحق لأحد على الأرض أن يحاسب الإنسان على معتقده أو فكره.

وأخيرا كرامة الإنسان فالله عز وجل كرم الإنسان لقوله تعالى ” ولقد كرمنا بني آدم” ولم يقل كرمنا المسلم أو المؤمن، بل كرم الإنسان كإنسان، وكبني آدم. فلا يجوز لأي كان وكيفما كان دينه أن يصادر كرامة الإنسان.

وفي مداخلته أقر الدكتور سمير بودينار من المغرب بأنه ينبغي ربط التنوير ببعدين أساسيين: بعد مضمون هذه الرسالة الدين، وبعد المجتمعات التي تخاطبها تلك الرسالة. فيصير التنوير الديني أهم من مجرد حقبة تاريخية فكرية أو فلسفة، بل يتحول إلى سيرورة مفتوحة، إلى كسب إنساني ممتد، إلى جهد تربوي مفتوح لتحقيق تفعيل هذه الأنوار التي مصدرها الدين لصالح الإنسان في الكون. كما يقتضي تفاعل الوحي والخطاب الديني مع الواقع للاستفادة من نتائج هذا التفاعل، وهو ما يقتضي قدرة على التفاكر أي التفكير الجماعي والحوار والاستشكال، وليس هناك مجتمع طرح فيه الدين عموما والإسلام خصوصا موضوعا للسؤال والنظر كما يطرح في عصرنا الآن.

نجد في عصرنا عودة غير مسبوقة للهوية الدينية. وهذه العودة غير المسبوقة تثير من الأسئلة والإشكالات أكثر مما تقدم من الإجابات، حول تدبير هذه العلاقة مع الدين والعلاقة بين الأنساق الدينية المختلفة، وقدرة الدين على التفاعل بشكل يحقق مصلحة الإنسان مع قضايا الإنسان وأسئلة الاجتماع وأزمات العصر ومشكلات الحضارة والخلل المتزايد في العمران البشري وغير ذلك.

طرح الدكتور العديد من الأسئلة والإشكالات من بينها: هل يمكن للمفاهيم الدينية اليوم أن تسهم بقوة في المشهد الإنساني فهما وتفسيرا وتجاوزا لامتلاك الإنسان رؤية تستجيب لتحديات العصر وحاجياته؟ كما طرح كذلك سؤال التكامل المعرفي داخل المعرفة الدينية، وأثر القراءة التجزيئية التي تقيد الفكر وتقيد القدرة على النظر إلى عمق المضمون الديني وتفعيله في الواقع. داعيا إلى بحث وقراءة في المفاهيم وتأصيلها في سياقات الحاجة المجتمعية الجديدة.

الجلسة الثانية: ترأستها الأستاذة هاجر القحطاني

استهلت الجلسة بمداخلة الدكتور عامر الحافي من الأردن حول “نماذج من القراءة التنويرية للنص الديني” قال بضرورة الوقوف على التصور الديني القائم على الاختلاط اللغوي، والمعتقد الشعبي والقراءة المفاهيمية من خلال مفاهيم كانت قبل الإسلام وتم إدخالها فيه وتأسلمت من خلال ما يسمى بالإدراج المفاهيمي.

لذا جاء الحديث عن تفسير تنويري لضرورة داخلية لا لإرضاء جهة خارجية. فالقرآن يملك مقومات التنوير، من الإشادة بالعقل والتفكير السببي، من التركيز على الإنسانية والقيم أكثر مما نعرفه في الكتب المقدسة. فالتنوير منبثق من هذا العمق القرآني، وليس التنوير محاولة لي أعناق النصوص في سبيل إرضاءات معينة. مضيفا أن الخطاب القرآني خطاب إنساني لا خطاب إسلامي فقط. لذا يجب قراءة النص القرآني بعمق ووعي وانسجام مع قراءة الحضارات الأخرى.

أشار الدكتور محمد عبد الوهاب رفيقي من المغرب في مداخلته إلى أن الحديث عن التنوير الديني أصبح شغلا شاغلا في زمننا وأن وسائل إنتاج المعرفة الدينية لم تعد ترتكز على الكتاب والمرجع العلمي وفقط، بل أصبح لوسائل التواصل والإعلام بمختلف أشكاله حظ أوفر في هذا الشأن. فيصبح ما يصرح به فيها رأيا عاما يناقش ويحاجج ويدافع عنه. وميز في معرض حديثه عن القراءة التنويرية الدينية عن مدارس بين المدرس الأصلية الحرفية السلفية التي ترى عدم الخوض في النصوص أو تأويلها. وأن هناك مدرستان تنتميان إلى التنوير المدرسة المقاصدية والتاريخانية.

أما الدكتور إدريس الخرشاف من المغرب فمداخلته: “الهيرمينوطيقا وأدوات البحث الاحترافي لقراءة القرآن الكريم، أية استراتيجية”، اقترحت منهجية لقراءة النص القرآني، وهي العقلانية التطبيقية معتبرا أن القرآن مدرسة للقينيات الكبرى معتمدا في ذلك على علم الرياضيات والمعلوميات والإحصاء التطبيقي مبرزا حضور العقل في هذه المنهجية بعيدا عن كل ما من شأنه أن يكون عاطفة أو انفعالا تجاه النص.

الدكتور عدنان المقراني في مداخلته “نحو قراءة تنويرية لا عنفية”، يقر بكون فهم الدين يجب أن يكون من خلال السلام واللاعنف عبر قيمه الغائية كقيمة الرحمة “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ومن خلال الدين اللإكراهي، حيث يرى في اللإكراه نفيا قاطعا لكل أشكال العنف. والإكراه إرهاب نفسي يستعبد ولا يحرر، مناهض للدين بطبيعته مناقض للإيمان بالروح والحقيقة. فالحقيقة في نظره لا تحتاج إلى وصاية أو وساطة أو حماية، فهي تحمينا وتحررنا ولا تحتاج منا ان نحميها، الحقيقة تستخدمنا ولا نستخدمها…خاتما مداخلته بكون رسالة الإسلام لا عنفية ولا إكراه فيها.

الجلسة الثالثة: ترأسها الدكتور رضوان المصمودي

في مداخلة لها تناولت الدكتورة بلكامل البيضاوية موضوع “فقهاء مستنيرون نموذج محمد بن أحمد العبدي الكانوني” أحد أبرز أعلام المغرب أواخر القرن 19 الذي يدعو للتعليم لتجاوز الهوة السحيقة التي أوقعنا فيها الجهل. مشيرة إلى إنتاجاته الثقافية التنويرية مثل كتاب “الرياضة في الإسلام” حيث دعا للعناية بالصحة، وكتاب “شهيرات المغرب”. خاتمة مداخلتها بأنه يمكن إدراج مؤلفات الكانوني ضمن الإنتاجات الفكرية التنويرية، وهي رسائل ضمنية لاستنهاض همم المغاربة للانكباب على مختلف العلوم والمعارف. معتبرة إياه من أقدم التربويين التنويريين.

أما المداخلة الثانية فكانت للدكتور مصطفى حدية من المغرب في موضوع “الثقافة الدينية للشباب؛ من أجل رؤية تنويرية” الذي رأى أننا في حاجة ماسة للتنوير وقراءة تنويرية للتراث عن طريق الفكر والعقل، ويرى أن ما تفتقد إليه مدراسنا هو برنامج تربوي لتعليم مهارات التفكير، ليواكب شبابنا عصر الإنسان الجديد، إنسان العولمة، وذلك بالتفكير والنقد وإعمال العقل.

الدكتور نبيل سعدون من الأردن في مداخلة له حول “الدين بين مساعي التنوير ومزالق التحوير” تحدث عن كيف وصف الله الدين بالنور المبين، وكيف بقيت الأديان مع الأنبياء مصدرا للنور والحق والصفاء، وبرحيل نور الأنبياء حل ظلام اختلاف الاطباع فذهب نور الهدى وعم ظلام الهوى. قبل أن يتحدث عن مرتكزات التنوير مجملا إياها في العلم كألية من أليات التشريع والإنسانية بالانتقال من تقسيم الأمة إلى دار إسلام ودار حرب إلى امة دعوة وإجابة. ليعرج بعد ذلك على مزالق تحوير الخطاب الديني من التعسف في تفسير القرآن معتبرا أن أعظم تفسير هو تفسير القرآن للقرآن تم من نزل عليه القرآن ثم تفسير من تعلم القرآن من نبي الإسلام. ثم تهميش دور الرسول وسنته الصحيحة. وفي الأخير رفض كل التراث معتبرا أن رفض كل التراث الذي يوافق الكتاب هذا أمر من العبث.

 

  

اليوم الثاني من لقاء الرابطة العربية للتربويين التنويريين

الجلسة الرابعة: ترأسها صلاح الدين الجورشي من تونس.

كانت المداخلة الأولى للدكتور سعيد ناشيد حول ” ماهية الانفعالات التي ينميها الخطاب الديني” الذي اعتبر أن الإصلاح الديني يعد مدخلا أساسيا لانتقال الحداثي بالمنطقة، إذ لا يوجد مدخل ديمقراطي أو سياسي لامتلاك الشعوب لقراراتها دون ورشة الإصلاح الديني. لماذ؟ لأن الدين يعد عند الشعوب مركز الثقل في رؤيتهم، وأعرب الدكتور ناشيد عن مخاوفه قبل ست سنوات من إجهاض فكرة الإصلاح الديني من تيارين: الأول الذي يقول إن هذا الدين لا يمكن إصلاحه بإطلاق وعلينا أن نلقي به جانبا. والتيار الثاني الذي يعتبر على أن فكرة الإصلاح الديني غير مطروحة نهائيا وأن هذا الدين كامل وكل دعوة للإصلاح تهجم وإساءة إلى الدين. والآن لدينا تيار آخر هو تيار الصلاح الديني لكن يفرغه من محتواه ويعيدنا فقط إلى الدائرة الأولى مثلما يحدث مع الديمقراطية، فكثرة الكلام عن الإصلاح الديني كالديمقراطية تفرغه من محتواه وتجعل الموضوع في إطار نخبوي، واعتبر أنه إذا لم يكن التنوير عموميا لن يكون، والتحدي الأساسي هنا هو امتلاك لغة التواصل السليمة دون أن نقدم تنازلات فكرية.

الإصلاح الديني غايته بناء خطاب ديني جديد يعبر عن رؤية الإنسان الجديد إلى العالم لأن الرؤية العالم من خلال الخطاب الديني الشائع عندنا سواء في مساجدنا أو مدارسنا أو وسائل الإعلام كله لا يزال أسير نظرة الإنسان القديم إلى العالم. ثم أيضا على مستوى المفاهيم، فمفاهيم خطابنا الديني الشائع كلها تحيل إلى عصر توسعات الإمبراطوريات وهو زمن مضى بجهازه المفاهيمي (الجماعة، الطاعة، البيعة، اللواء، الغنيمة) ونحن انتقلنا إلى زمن الدولة الوطنية.  ولكن الخطاب الديني لا يزال أسير العالم القديم.

يعتبر ناشيد أن الإصلاح الديني ليس وظيفة الفقهاء مهما تنوروا، رغم أهمية وجود فقهاء متنورين لكن إصلاح الخطاب الديني كان وسيظل مهمة الفلاسفة، حتى وإن تخلت عنه الفلسفة لاعتبارات تتعلق بنمط التدريس. إلا أنه وظيفة الفلسفة لأنه في نهاية المطاف جزء من إصلاح كينونة الإنسان. فالفلسفة تمنحنا شبكة قراءة لإصلاح الخطاب الديني الذي ينمي انفعالات وغرائز الخوف والانحطاط والانفعالات الحزينة فمشكلة الأخلاق تقوم عندنا على الخوف أو ما يسميه الفقهاء عندنا بالوازع الديني فالعلاقة مع الله يجب أن بنى منذ الطفولة على الخوف، كذلك الكراهية لغير المسلم. بالإضافة إلى الشعور بالذنب أو عقدة الذنب.

الإصلاح الديني يعني نقل مركز ثقل الخطاب الديني من الانفعالات السلبية إلى الانفعالات الإيجابية عن طريق إعادة بناء جهاز مفاهيمي جديد وأيضا منظومة قيم جديدة، وتحويل الطاقة الدينية بشكل إبداعي خلاق غير عنيف عن طريق الفنون الجميلة كنوع من التسامي على الغرائز والعنف.

وفي مداخلة له حول “فهم الدين في ضوء المقاصد الحضارية للإسلام” أشار الدكتور عبد الله عسيري من المغرب إلى أن تطرف الفكر السلوك والتصرف والتصور الذي يعرفه العالم اليوم هو نتيجة الحمولة الفكرية والثقافية. وأن الغياب الحضاري الذي نعيشه اليوم ليس بسبب الدين كدين وإنما بسبب فهمنا للدين. ويبقى الهدف تقديم المعالم المنهجية التي يمكن الإجابة على تحديات العصر، وكسر طرق التفكير الضيقة مما يفيد فهم ذواتنا وفهم الأخر. ولن يكون ذلك إلا بفهم المقاصد الحضارية للإسلام. وهنا المقاصد تعني تلك البوصلة التي يضعها المجتهد نصب عينيه من أجل فقه النص وفقه الواقع واستنباط الأحكام.

الدكتور عبد المنعم إدريس من تونس في مداخلته: “ركائز إصلاح المنظومة التربوية”. أكد على أهمية المنظومة التربوية، بحيث لا يمكن لأي شعب أن ينهض إلا عندما يكون سيد نفسه، والشعوب لا ترتقي إلا بأبنائها ولا تنحط إلا بأبنائها. والشعب لا يمكن أن يكون سيد نفسه إلا بأبنائه من خلال منظومة تربوية تقوم على ثلاثة ركائز أساسية متعلقة بغرس الثقة بالذات حتى لا تنبهر بالآخر فتصبح مقلدة له لا مبدعة، ولا بد أن تغرس مجموعة قيم لتجعله فاعلا، وتزرع فيهم مهارات عقلية.

وقد سلط الدكتور الضوء على التجربة التونسية في إصلاح المناهج وأهم المحطات التي مرت ما بين تربية إسلامية وتربية مدنية وغيرها من التحولات، ليخلص إلى أن إصلاح المنظومة التربوية يكون من خلال نظرة تنويرية للدين.

وأكد الدكتور محمد العماري من المغرب في مداخلة بعنوان ” الاختلاف الفكري والعقدي: مداخل منهجية من أجل فهم سليم” على أن الإشكالات التي أصبح العالم العربي يعرفها على مستوى الفهم السليم للدين ليس هو الاختلاف، بل يكمن في الإنسان، فالاختلاف ضرورة وسنة كونية فلابد من تنوير الإنسان ليسخر الاختلاف بطريقة سليمة. فالقراءة المنحرفة للنص ينتج عنها اختلاف سلبي عقيم.

وفي مداخلة له بعنوان “تنوير التفكير الديني في الإسلام” ركز الأستاذ عبد الجبور بعد أن توقف عند الجهود السابقة المبذولة في الإصلاح الديني- ركز على تقديم منهجية جديدة وفريدة للتفكير الديني وهي المنهجية الفردية في الإنتاج، كأداة للتفكير وليست وسيلة له. وذلك من منطلقين: القراءة كقيمة كونية كأداة للفهم وبناء معرفي مشترك بين المخاطِب والمخاطَب لإعطاء النص القرآني كونية الحاضر المستمر، والفهم المتغير. ثم منطلق الفردانية كأداة كونية مؤكدا على أنه رغم اختلاف نتائج القراءة الفردية، إلا أن العقل الديني الناقد المتجدد، لا خوف عليه من الضلالة والانقياد والوساطة.

وقد أشار كذلك إلى أهمية المزامنة المتغيرة من خلال قراءة متجددة من خلال مواءمة العقل الديني بين الماضي والحاضر، وتغليب جزء الاستيعاب والتحليل على جزء الذاكرة والحفظ. خاتما كلامه بكون التنوير إرث المستقبل، ومتى بقي العقل الديني مترددا قائما على توكيلات فكرية، فلن يكون منتجا ولن يكون لنا معه أي حضور في المستقبل. ووحدها الفرادة والمزامنة في التدين؛ تعطي الإسلام فرصة لعقد اجتماعي ديني جديد يكون فيه المستقبل من صنع الإنسان العاقل.

الجلسة الخامسة: ترأسها الدكتور العربي بوسلهام من المغرب

اعتبر الدكتور عبد السلام فيغو من المغرب أن التجديد الذي يصر على نشره والادعاء له دعاة التجديد في هذه الأيام وقبل هذه الأيام، ويحرص كل العاملين في الإسلام على رفضه وتفنيده وكشف عواره بالحجة والبرهان هو التحريف بعينه والهدم التام للأسس التي قام عليها الإسلام، وهذا المسعى التخريبي ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة طويلة من خطة الإرهاب التي خططت لها أجندة الراغبين في النيل من نقاء الإسلام وإشراقة رسالته ومحاربة المسلمين. ولا يعد هذا العبث بأي حال تجديد.

وقال إن الساحة الثقافية تعرف جدلا واسعا فيما يتعلق بالقراءات الجديدة للنص ككتاب محمد أركون ” القرآن من تفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني” وكتب أبو زيد وأدونيس والطيب التيزيني… وهذه الكتب التي تقوم على مناهج سوسيولوجية وأنتروبولوجية وتاريخية أدت إلى تحريف النصوص والخروج عن معانيها وما هو متفق عليه.

يدعو عبد السلام فيغو إلى قراءة مقاصدية للقرآن الكريم تحفظ له خصوصيته وتحقق له مقاصده.  معتبرا أن النص هو الذي يصنع قراءة مؤكدا أن الكثير من هذه الدراسات التي توجه إلى دراسة النص القرآن يكون الغرض منها تقليص قداسة النص القرآني عند حدودها الدونية وإسقاط القداسة كليا عند التعامل مع النص الحديثي.

وفي مداخلة له بعنوان ” علاقة الإسلام بتجديد الفكرين اليهودي والمسيحي” سلط الدكتور يوسف كلام الضوء على الدور الذي أداه الإسلام لإخراج الديانات الأخرى من مشكلاتها العقدية والفكرية بالوقوف على المقاصد الموجودة في الشرائع السماوية الأخرى كاليهودية مثلا. لكن يرى أن في بعض أبواب الفقه اليوم نجد ما لا يتفق مع واقع المسلم مثل الأبواب المتعلقة بالرقيق والعبيد.

أما عن مداخلة الدكتور عبد الغني منديب من المغرب حول “الانتقال الديمغرافي من المنظور الديني التنويري” فقد اعتبر أن المغرب حقق انتقالا ديمغرافيا بالتحكم في الخصوبة ولم يكن ليكون الأمر ممكنا في نظره لولا الخطاب الديني والقراءة التنويرية للدين، فهناك من رأى في تقنين الخصوبة أمرا منافيا للعقيدة ومجانبا للإسلام الصحيح، في حين ظهر اتجاه آخر اتبعه جل الفقهاء المغاربة هو اتجاه محمد المكي الناصري الذي أصدر فتوى أجاز فيها فكرة تقنين النسل لتكون النتيجة هي هذا الانتقال الديمغرافي الذي نعرفه اليوم.

أما الأستاذ عيسى الشارقي من البحرين الباحث عن قاعدة منهجية في طريق التنوير من خلال مداخلته: “ما الثابت الذي ينبغي الاهتمام به لضبط بوصلة التنوير؟” فيرى أن الإسلام التنويري هو الذي يخرج الإنسان من أخلاق الهمجية إلى أخلاقية الروحانية، من المكوث في البشرية إلى العروج للإنسانية، من هيمنة الغرائز للهيمنة القيمية… فالتنوير ينبغي أن يقارن الروحاني بالهمجي.

الدكتور عمر حامد بشير من السودان يسلط الضوء تجربة المناهج التربوية في السودان مبينا مواطن الخلال فيها. والدولة قامت على منهج واحد تقليدي سائد قبل التجربة المهدية التي جاءت بفكر متقدم من إطلاق الفقه على الاجتهاد، ثم منهج المستعمر القائم على إعداد وتدريب المعلمين لخدمة الاستعمار. ويرى أن المناهج يجب أن تتصل بالواقع وتستوعب كل التقاطعات المجتمعية، معتبرا أن مشكل غياب قراءة تنويرية للدين مرده إلى المناهج التربوية التي لا تنتج عقولا ناقدة وباحثة ومتسائلة.

 

 

الجلسة الختامية: إعلان الرباط عاصمة للتنوير

اختتم الاجتماع الثالث للرابطة العربية للتربويين التنويريين المنعقد بالرباط بتتويج أشغاله بإعلان الرباط عاصمة للتنوير عام 2018، وذلك في الجلسة الختامية لأشغال الاجتماع، والتي عرفت حضور ممثلين عن مؤسسات وزارية وتربوية، من مستشار جلالة الملك عباس الجراري ووزير التعليم العالي ورئيس جامعة محمد الخامس بالرباط وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الذين اعبروا عن استحسانهم لبادرة الرابطة وإعلان الرباط عاصمة للتنوير مشيدين بدور المغرب وجهود المؤسسة الملكية في التنوير الديني، قبل أن يتلو الأستاذ مولاي محمد اسماعيلي المسير للقاء ملخصا عن التقرير الذي أنجزته الرابطة حول حالة التنوير الديني بالمغرب، ويتم تكريم ضيوف الشرف والمساهمين في إنجاح فعاليات الرابطة ويسدل الستار على أشغالها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تويتر
فيسبوك
فعاليات قادمة
سبتمبر

أكتوبر 2018

نوفمبر
سب
اح
اث
ثل
ار
خ
ج
29
30
1
2
3
4
5
فعاليات في أكتوبر

1

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

2

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

3

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

4

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

5

لا يوجد فعاليات
6
7
8
9
10
11
12
فعاليات في أكتوبر

6

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

7

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

8

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

9

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

10

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

11

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

12

لا يوجد فعاليات
13
14
15
16
17
18
19
فعاليات في أكتوبر

13

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

14

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

15

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

16

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

17

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

18

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

19

لا يوجد فعاليات
20
21
22
23
24
25
26
فعاليات في أكتوبر

20

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

21

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

22

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

23

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

24

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

25

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

26

لا يوجد فعاليات
27
28
29
30
31
1
2
فعاليات في أكتوبر

27

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

28

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

29

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

30

لا يوجد فعاليات
فعاليات في أكتوبر

31

لا يوجد فعاليات