تقرير- ندوة بعنوان:( أيّة منظومة للقيم في المؤسسة التربوية التعليمية؟)

نظّم مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة بالتعاون مع الرابطة العربية للتربويين التنويريين مع جمعية الإئتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية ندوة بعنوان أيّة منظومة للقيم في المؤسسة التربوية التعليمية. وذلك يوم السبت 29 سبتمبر 2018 بنزل كونكورد بالبحيرة بتونس. أثّث هذه الندوة كلّ من السيد محمد بن فاطمة رئيس جمعية الإئتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، السيد محرز الإدريسي رئيس مجلس إدارة الرابطة العربية للتربويين التنويريين، السيد عبد اللطيف المكّي عضو مجلس نوّاب الشّعب عن حركة النهضة، السيد خالد شوكات القيادي بحزب نداء تونس ورئيس المعهد العربي للدّيمقراطيّة، السيد هادي بن خليفة مستشار وزير التربية والسيد محمد بوهلال أستاذ الحضارة بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة.

بعد الترحيب بالحضور، أكّد السيد رضوان المصمودي على أنّ القيم هي التي تمنع اندثار المجتمعات، وهي أيضا أساس المنظومة التربوية. وركّز بالأساس على أهمّية ترسيخ قيم المواطنة والقيم الدّينيّة لتكون مرجعية الفرد الصّالح، وعلى ضرورة فصلها عن الصّراعات السياسيّة من أجل سلامة المجموعة الوطنيّة.

ألقى السيد محمد بن فاطمة الكلمة الافتتاحيّة وثمّن التشارك بين المنظمات الثلاث وشكر جهودها الرّامية للمساهمة في الإصلاح التربوي.وأشار إلى أنّ القيم في المناهج ليست مادّة مدرسيّة وبالتالي لا تُتعلّم بل تُتملّك. والتملّك يعني أن يكتسب المتلقّي القيم لتصير جزءا من شخصيّته ومن خلالها يتعامل مع محيطه. فكيف يمكن التعامل مع القيم في إصلاح المناهج التعليميّة على أساس أنها ليست مبدأ مدرسيّا وكيف يمكن تقييم مدى تملّك التلميذ للقيم وما هي التقنيات المستعملة للغرض؟

أشار السيد محرز الإدريسي إلى أنّ الكتاب الأبيض والمنهاج الذين تم إصدارهما مؤخّرا لم يتمّ التعرض من خلالهما إلى مسألة القيم. وكأنّ المبادئ الكبرى والغايات أهمّ من قيم التضامن والعمل الجماعي والمبادرة، إلخ. كما اعتبر أنّ مسألة القيم لا تتعلّق بالمعرفة مطلقا. فعلى المؤسسات التربوية أن تُرغّب في اكتساب القيم الجماعيّة في المجتمع. وشدّد على أن يكون “الحديث على القيم مبني على نوع من التكامل بين ثقافتنا والانفتاح على الثقافة الكونية باعتماد الصياغة التي نتفق حولها حتى لا نعيش في علب مغلقة” على حدّ تعبيره.

نوّه السيد عبد اللّطيف المكّي بأهمّية الاستثمار في الأفراد من أجل إنجاح المجتمعات. وأكّد على أنّ الإصلاح يبدأ بفكرة واستدلّ على ذلك بالدّعوة النّبويّة ومنطلقاتها القيمية التربوية التي اعتبرها قيما استراتيجيّة. وأشار إلى أنّ المجتمع التونسي غابت فيه الأمانة في المعاملات وهو ما أثّر سلبا على العلاقات وأدّى بدوره إلى انتشار الظواهر السلبية كالمخدرات والإنحراف والسرقة والتحيّل. فأصبحت القوانين لا تُحترم مع العلم وأنّ القانون هو الحارس للقيمة والوجه الآخر لها. وأشار إلى أنّ الإنسان تتجاذبه قوّة العقل الذي اعتبره الإسلام حرّا وقوّة الغريزة التي يجب أن تُهذّب من أجل استمراريّة الحياة وقوّة الحاجة التي يُستجاب لها في حدود. فلا يمكن للعقل أن يسود إلا عندما يكون الفرد متسلّحا بمجموعة قيم تحدّد العلاقة بين مختلف أطراف الوجود في حياته. قسّم السيد المكي القيم إلى محلية وعالميّة مما يستدعي تنظيم العلاقات بينها. حيث لا يمكن للقيم المحلية أن تنتشر من دون الدّخول في تفاعل مع القيم العالمية الأخرى. إلّا أنّ الإشكال يتمثّل في وجود قيم كونيّة غير متّفق عليها ويدور حولها خلاف. وأكّد على أنّ الدول الاستبدادية تستمدّ قوّتها من بطش الأجهزة الأمنية في حين تستمدّ الدول الديمقراطية قوتها من مدى إنتاجية مجتمعاتها وانضباطها. وأخيرا أشار السيد المكّي إلى أهمّية تدريس تاريخ الطبّ في المؤسّسات التربويّة للتعرف على إنجازات ابن الجزار وابن سينا ليكون الطالب التونسي أصيلا وليس وافدا على هذا الميدان ولكي يشعر باعتزازه بوطنه.

دعا السيد شوكات إلى الاعتزاز الحضاري وأهمّية خوض المعركة بين المدرسة الهزيمة الحضارية ومدرسة الانتماء الحضاري وذلك منذ طرح السؤال المركزي لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون، منذ القرن19. كما أكّد أنه لا سبيل للتقدم والنهوض والتحضّر من دون تحسين اللغة العربية، فليس هناك أمّة تقدّمت وهي تعتمد اللغة الأجنبيّة. وخير أمثلة لمجتمعات تطورت عند تشبّثها بلغتها والاعتزاز بذاتها هي المجتمع التركي والمجتمع الماليزي والمجتمع الإيراني. وأكّد على أنّه توافد في تونس العديد من المصلحين الّذين راهنوا على ضرورة الإصلاح التربوي الذي يمهّد للإصلاح العام للمجتمع مثل خير الدين التونسي الذي أدخل الإصلاح الإداري. وشدّد السيد شوكات على أنّ “الطالب المنهزم حضاريا لن يستطيع ربح أيّ معركة وسيكون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء”” على حدّ تعبيره. فالّذي يتملك لغة واضحة وهويّة واضحة سيستطيع بناء مشروع وإنجاحه.

أشار السيد هادي بن خليفة إلى القيم الكونية وأهمّيتها في تربية النّاشئة. وتعرض إلى طبيعة حقوق الإنسان الكونيّة، ماهيتها، مراجعها القانونية، أبعادها ومعاني التربية عليها. أوّل قيمة هي الحرية وهي متأصّلة في تاريخ الإنسانيّة و”تعدّ الحرية قيمة القيم” على حدّ تعبيره. ثاني قيمة هي التسامح والتفاهم وهي تهم الطّفل بالدرجة الأولى. أيضا ذكر قيمة احترام الحرمة الجسديّة. كما اعتبر أنّ الحق في الهوية حقّ كوني وليس خصوصيّ. وتعرض السيد بن خليفة إلى كلّ الحقوق التي ذُكرت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من الإتّفاقيات الدّولية، مشدّدا على أنّها قيم يجب أن يتربّى عليها النّشء في ظلّ المنظومات التربويّة التعليميّة. وفي نفس السياق، أكّد على أنّ حرية التفكير مرتبطة ارتباطا وثيقا بحرية التعبير ولا يمكن الفصل بينهما كما هو معمول به في ظلّ الأنظمة الاستبدادية. ودعا السيد بن خليفة إلى التحلي بقيم كونية مع المحافظة على خصوصيّة المجتمع وهويّته . كما أشار إلى أنّ لحقوق الإنسان أبعادا أنطولوجيّة، لها بعد حيويّ وبعد اجتماعي باعتبار اتّصالها بمنظومة اجتماعيّة. أمّا فيما يتعلّق بأبعاد التربية على حقوق الإنسان، فلها بعد إنساني، وبعد عقلاني تنويري بحكم المفاهيم التي تستند إليها من الحوار والعقل والتفاهم. ولها بعد نقدي لأن تربية الطّفل على حقوق الإنسان تدفعه لمراجعة المنظومة التي ينتمي إليها والابتعاد عن التقليد والانصياع. وشدّد على أنّ تربية النّشء على حقوق الإنسان لا يقتصر على تدريس مادّة حقوق الإنسان في حصّة ولكن من المفروض إدراج وتضمين حقوق الإنسان في كلّ المواد والبرامج المدرسيّة وحتى الاختبارات. وفي الأخير، أشار السيد بن خليفة أنّه لايمكن الحديث عن حقوق الإنسان في مجتمع غير ديمقراطيّ لأنّ الفرد يجب أن يعرف الحقوق ويطالب بها من دون الشعور بالخوف والتهديد.

أفاد السيد بوهلال بأنّ محددات القيم في المنظومة التربوية التونسية تقوم على خمس نقاط. أوّلا، اللغة التربوية المشتركة. وهي تعني لغة المفاهيم والمصطلحات والمنطلقات والمبادئ والمسلّمات التي يستند إليها اختصاص ما. وهي تتطلب جهدا في تأليف النظريات والآراء في ذلك الاختصاص والانخراط في ممارسات مشتركة مع تجنب اللغات الخاصة كاللغة الايديولوجيّة حتى تتطوّر هاته اللغة. ثانيا، القيم وهي جزء من اللغة التربوية المشتركة. ويتكون ذلك بعد فتح مجال الحوارالمجتمعيّ والتفاوض حتى يتكوّن الأساس القيمي المشترك. ثالثا، يجب مراجعة نظام قيمنا التربوي. بما أنّ القيم هي التعبير المكثّف عن الأهداف والمقاصد التي ترنو إليها المنظومة التربويّة فيجب مراجعة النظام التربوي والبحث عن الأهداف الجديدة التي يريد المجتمع بلوغها. بعبارة أخرى هل نطمح إلى تكوين طفل مملوء بالمعارف مقلّد أم طفل ناقد واع ومسؤول. وخير دليل على ضرورة مراجعة منظومة القيم هو فشل المنظومة التربوية الحالية وتجلّياتها المجتمعيّة الخطيرة. رابعا، الحاجة إلى عقد تربوي وطني جديد الذي يجمع بين ثلاثة أطراف وهي المجتمع و المؤسسة التربوية والدولة.ماذا نريد من المدرسة؟ ماذا على الدّولة القيام به تجاه المدرسة؟ كيف ينبغي أن تشتغل المدرسة؟ “هذه الأسئلة التي يجب أن يقوم عليها العقد التربوي الجديد” وهو ما أفاد به السيد بوهلال. في السابق، أشار إلى أنّ تونس عرفت عقدين تربويين اثنين. العقد الأوّل كان مرتبطا بنشوء الدّولة الحديثة أين لعبت الدّولة دور المصعد الاجتماعي. أمّا العقد الثاني فهو عقد ضمني فرضته السلطة السياسية وأصحاب النفوذ في المجتمع ولكن مع عدم تمكنهم من استيعايهم في المحتمع فتفاقمت الحاجة إلى الدروس الخصوصية وفتح الباب إلى المحسوبية والرشوة وغير ذلك. واتجه المجتمع إلى التعليم الخاص الذي يحاول مزاحمة التعليم العمومي. خامسا، قيم العقد التربوي الوطني الجديد التي يجب أن تكون معبّرة عن الهويّة التونسية، مجسّدة للديمقراطية ومعبرة عن الحداثة ومحققة لها.

خلال النّقاش، أكّد أحد المتدخّلين على أنّ العلم وحده لايمكن إنتاج مجتمع سويّ ما لم يتمّ التّأسيس لمنظومة قيمية متينة. كما نوّه آخر بأنّ المجتمع التونسي يعيش مشكل ثقافة الإسلام في داخله. وعليه يجب التصالح مع الثّقافة الإسلامية أوّلا لتكوين منظومة قيميّة كونيّة. كما انتقد العديد من المتدخّلين على اهتزاز المجتمع التونسي وعدم انضباطه في حين يتحلى بكل الأخلاق الحميدة خارج بلده. وشدّد العديد من الحاضرين على أنّ المنظومة التربوية الحالية فاشلة وأكبر دليل على ذلك المستوى المتدنّي للطلبة في جميع المستويات. كما طالب أحد المدرّسين بضرورة تكوين مجلس أعلى للتربية لوضع السياسة التربوية وتحديد الملامح والقيم التي يجب يتشبّع بها المجتمع الشبابي. في حين اتّفق البعض حول التّساؤل عن الأطراف المسؤولة عن تنزيل السياسات التربوية على الواقع ومدى إيمانها بالمنظومة التربوية الوطنيّة.

خلال التّفاعل، أشار السيد عبد اللطيف المكّي إلى أنّ خصوصية المدرسة الإسلاميّة تتمثّل في أنّها توسّع على الفرد ولكن تضيّق على الحاكم. كما أكّد على أنّ التونسي مصاب بالسكيزوفرينيا بسبب اضطراب المرجعيّة القيميّة لدى الفرد. وذلك يعود إلى فشل الإصلاح التربوي في النّظام السابق “الذي لم يحاسب من قبل النّخبة كميّا ونوعيّا” على حدّ تعبيره. دعا السيد الهادي بن خليفة إلى أنّ رفض القيم الكونية يُدخل المجتمع في معركة يكون في غنى عنها. كما أكّد على أنّ هويّة كل فرد مركّبة يجب المحافظة عليها مع الانفتاح على الآخر والابتعاد عن منطق الأفضليّة الّذي يعدّ مسّا من الإسلام. نوّه السيد محمد بوهلال بضرورة توفير فضاء للحوار والاتّفاق على النّقاط الأساسيّة لعقد تربويّ وطني جديد. تساءل السيد محمد بن فاطمة حول مدى قدرة المدرسة التونسية على إنتاج منظومة قيميّة مع العلم أنّ التعليم العمومي يتخلّى عن مكانه تدريجيّا لفائدة التعليم الخاصّ. كما تساءل حول الإجراءات التي يتعيّن اتّخاذها للمحافظة على التعليم العامّ  وتوجيه قطاع التعليم الخاصّ.
_________
*المصدر: مركز دراسة الإسلام والدّيمقراطيّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تويتر
فيسبوك
فعاليات قادمة
نوفمبر

ديسمبر 2018

يناير
سب
اح
اث
ثل
ار
خ
ج
1
2
3
4
5
6
7
فعاليات في ديسمبر

1

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

2

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

3

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

4

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

5

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

6

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

7

لا يوجد فعاليات
8
9
10
11
12
13
14
فعاليات في ديسمبر

8

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

9

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

10

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

11

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

12

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

13

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

14

لا يوجد فعاليات
15
16
17
18
19
20
21
فعاليات في ديسمبر

15

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

16

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

17

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

18

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

19

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

20

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

21

لا يوجد فعاليات
22
23
24
25
26
27
28
فعاليات في ديسمبر

22

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

23

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

24

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

25

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

26

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

27

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

28

لا يوجد فعاليات
29
30
31
1
2
3
4
فعاليات في ديسمبر

29

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

30

لا يوجد فعاليات
فعاليات في ديسمبر

31

لا يوجد فعاليات